بسام القنطار

قبل اسبوع من انعقاد مؤتمر الأطراف الـ 22 لاتفاقية الامم المتحدة الاطارية للحد من تغير المناخ في مراكش – المغرب، يكشف التقرير الوطني الثالث للبنان في شأن تغيّر المناخ، الذي سيرفع الى سكريتاريا الاتفاقية، ويفترض ان تعلن عنه وزارة البيئة اواخر الشهر الحالي، عن زيادة قدرها 1.7 درجة مئوية بحلول منتصف القرن الحالي، وزيادة تصل إلى 3.2 درجة مئوية بحلول العام 2100، وانخفاضاً في هطول الأمطار من 4 إلى 11 بالمئة، مع ظروف أكثر جفافاً في نهاية القرن (انخفاض يصل إلى 5.8 ملم في متوسط هطول الأمطار الشهري).
وتظهر التوقعات الواردة في التقرير الذي حصل موقع greenarea.me على نسخة منه، زيادة في اتجاهات ارتفاع الحرارة بما يصل إلى 43 يوماً إضافياً مع درجة حرارة يومية قصوى أعلى من 35 درجة مئوية، وزيادة في عدد الأيام الجافة المتتالية عندما يكون هطول الأمطار أقل من 1.0 ملم بحلول نهاية القرن، مما يتسبب بإطالة موسمية وتوسع جغرافي لفترات الجفاف. وسيتسبب هذا المزيج من الظروف الرطبة أقل بكثير والأكثر دفئاً إلى حد كبير بمناخ أكثر حرارة وجفافاً.
ومن المتوقع أن يكون للتغيرات المناخية آثار متنوعة على البيئة، والاقتصاد، والبنية الاجتماعية في لبنان. قد يكون للظواهر الجوية المتطرفة آثار سلبية على الصحة العامة، والمستوطنات البشرية، والبنية التحتية الخاصة بالنقل، والإنتاج الزراعي، وإمدادات الطاقة، والاقتصاد ككل. وسيكون التنوع البيولوجي الهش، والنظم الإيكولوجية، والموائل الطبيعية مهددة بسبب زيادة حرائق الغابات، وانتشار الآفات، وارتفاع مستوى سطح البحر.
بصفته طرفاً غير مدرج في المرفق الأول للاتفاقية، لبنان ليس ملزماً بالحد من انبعاثات الغازات الدفيئة. ومع ذلك، بعد مؤتمر باريس 21 للمناخ وكطرف في اتفاقية باريس الجديدة، أعلنت الحكومة اللبنانية في المساهمة المعتزمة المحددة وطنياً الخاصة بها عن نيتها الحد من انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 15 بالمئة بحلول العام 2030 كهدف غير مشروط، وبنسبة 30 بالمئة كهدف مشروط. وسيتم خفض الانبعاثات عن طريق تنفيذ استراتيجيات وسياسات مختلفة ذات صلة بالمصادر الرئيسية لانبعاثات غازات الدفيئة في لبنان.
وبحسب التحذيرات التي أطلقها البنك الدولي في تقريره الدوري الصادر اواخر العام 2014 تحت عنوان “اخفضوا الحرارة: مواجهة الواقع المناخي الجديد”. ستشهد بيروت 126 يوماً حاراً سنوياً، لتحلّ بعد الرياض مباشرة على قائمة العواصم العربية التي ستشهد ازدياداً في عدد أيام السنة الحارة.
ولا تنحصر المخاطر المناخية في الأثر المباشر بلبنان، بل تتعداها إلى المخاطر الإقليمية الهائلة وتداعياتها على جميع بلدان المنطقة، فالزيادة الكبيرة في موجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “ستخلق ضغوطاً حادة على الموارد المائية، وتنجم عنها عواقب ضخمة على الأمن الغذائي للمنطقة”. وفي بلدان مثل الأردن ومصر وليبيا، قد تنخفض غلة المحاصيل نحو 30 بالمئة مع ارتفاع الحرارة ما بين 1.5 درجة ودرجتين بحلول عام 2050، وبنسبة 60 بالمئة مع ارتفاع الحرارة 4 درجات في نهاية هذا القرن.
أصبح لبنان طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في العام 1994، وذلك بعد التصديق عليها بموجب القانون 359. وبموجب كونه طرفاً غير مدرج في المرفق الأول للاتفاقية، يترتب على لبنان الالتزام بإعداد وتقديم ونشر بانتظام بلاغه الوطني إلى مؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطارية. وقدّم لبنان في العامين 1999 و2011 أول وثاني بلاغ له على التوالي. ومع أنّ البلاغ الوطني الثالث الذي سيصدر اواخر العام 2016 يبني على عمل البلاغيْن السابقيْن، فهو يقدّم أيضاً منهجية محسّنة لاحتساب الانبعاثات الوطنية لغازات الدفيئة للعام 2012، مع سلسلة سباقة للأعوام 1994 إلى 2012 وتحليل لإمكانيات الحد من الانبعاثات، وقابلية التأثر بتغير المناخ، والانعكاسات السلبية، والقدرة على التكيف.
في العام 2012 بلغ إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة في لبنان 26,3 مليون طن من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون، وذلك لو استثنينا عمليات إزالة انبعاثات الغازات الدفيئة بواسطة احواض امتصاص الكربون. ويمثل هذا الرقم زيادة للانبعاثات بنسبة 89 بالمئة عن العام 1994 و39 بالمئة عن العام 2000، مع متوسط زيادة سنوية بنسبة 4.67 بالمئة من الغازات الدفيئة في لبنان.
قطاع إنتاج الطاقة هو المساهم الرئيسي في انبعاثات غازات الدفيئة، إذ يستأثر بنسبة 53 بالمئة من هذه الانبعاثات، يليه قطاع النقل (23 بالمئة)، وقطاع النفايات (10,7 بالمئة)، والعمليات الصناعية (9.7 بالمئة). وقد بلغت إزالة ثاني أوكسيد الكربون الناشئة من استخدام الأراضي وتغيير استخدام الأراضي والحراجة 3,036 جيغاغراماً من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون، بما حقق لصافي الانبعاثات في لبنان انخفاضاً حتى 23,188 جيغاغراماً من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون.
ثاني أكسيد الكربون هو الغاز المنبعث الرئيسي، إذ شكّل 85 بالمئة من الانبعاثات في العام 2012، وكان مصدره الأساسي من إنتاج الطاقة والنقل. يشكل قطاع النفايات المصدر الرئيسي لانبعاثات الميثان (90 بالمئة) بينما قطاع الزراعة هو المصدر الرئيسي لأوكسيد النيتروس (66 بالمئة).
ويقول التقرير ان قطاع الطاقة الذي يشتمل على إنتاج الطاقة والنقل هو أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، مما يعكس اعتماد لبنان الكبير على المنتجات النفطية المستوردة لتلبية متطلبات الطاقة والنقل. يُستخدم أكثر من 87 بالمئة من زيت الوقود المستورد و40 بالمئة من زيت غاز الديزل المستورد في محطات توليد الطاقة الحرارية، أي أنّ هاتين النسبتين تولدان الكهرباء العامة، ويشار إلى هذه الأخيرة هنا بعبارة “صناعات الطاقة” التي تشكّل المصدر الرئيسي للانبعاثات، مع حوالي 37 بالمئة من انبعاثات قطاع الطاقة، و28 بالمئة من إجمالي الانبعاثات الوطنية. يشكّل النقل أيضاً مصدراً مهماً لانبعاثات الغازات الدفيئة إذ يستأثر بنسبة 23 من إجمالي الانبعاثات، والتي تنبعث بشكل خاص من سيارات الركاب الخاصة.
قُدّرت الانبعاثات الناتجة عن العمليات الصناعية في لبنان بـ 2,557 جيغاغراماً من ثاني أوكسيد الكربون في العام 2012، أي ما يمثل 9.7 بالمئة من الانبعاثات الوطنية. صناعة الاسمنت هي المساهم الرئيسي في انبعاثات الغازات الدفيئة من هذا القطاع (أكثر من 99 بالمئة)، لأنّ لبنان لا ينتج الصناعات المعدنية والكيماوية الأخرى التي تنبعث منها غازات الدفيئة.
وساهمت الأنشطة الزراعية بـ 3,3 بالمئة من الانبعاثات الوطنية، وقد نشأت هذه النسبة بالأساس من التربة الزراعية (55 بالمئة)، والماشية المحلية عن طريق التخمر المعوي (23 بالمئة)، وإدارة السماد (22 بالمئة). وتشكّل الزراعة المصدر الرئيسي لانبعاثات أوكسيد النيتروس في لبنان، والناجمة أساساً عن استعمال الأسمدة النيتروجينية الاصطناعية، ومخلفات المحاصيل، وروث الحيوانات في التربة، ومن ترسب الأمونياك وأكاسيد النيتروجين في الغلاف الجوي، وكذلك من الرشح والجريان السطحي للنيتروجين ورعي الحيوانات.
أما في ما يتعلق بالانبعاثات من النفايات ومياه الصرف الصحي، فهي تسهم بـ 10,7 بالمئة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة. غاز الميثان هو الغاز الرئيسي المنبعث، وينجم أساساً عن تحلل المكون العضوي من النفايات في مواقع التخلص من النفايات. وعلى الرغم من أنه يتم استرداد قسم من هذا الميثان وإحراقه في مطامر النفايات الخاضعة للرقابة، لا تنفك نسبة كبيرة منه تنبعث من 504 مكباً بلدياً للنفايات منتشراً في مختلف أنحاء البلاد. تشكّل الانبعاثات الناتجة عن حرق النفايات نسبة لا تُذكر، ويعود سبب ذلك إلى حرق كمية صغيرة من نفايات الرعاية الصحية في المستشفيات. أما تصريف مياه الصرف الصحي بدون معالجة مسبقة في البحر الأبيض المتوسط، والأنهار، وخزانات الصرف الصحي، فهو مسؤول عن انبعاث 555 جيغاغراماً من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون أو حوالي 20 بالمئة من انبعاثات القطاع.
ومن ثم هناك استخدام الأراضي وتغيير استخدام الأراضي والحراجة من احواض امتصاص الغازات الدفيئة في لبنان، إذ يُقدّر صافي الإزالة بـ 3,036 جيغاغراماً من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون في العام 2012. وبالفعل، ما زال الغطاء الحرجي الواسع في لبنان يمثل مصرفاً رئيسياً لثاني أوكسيد الكربون، على الرغم من الاتجاه النزولي في قدرات احواض الامتصاص في السنوات الأخيرة بسبب إزالة الغابات وحرائق الغابات، والأهم من ذلك بسبب التحضر.
وقد تمّ أيضاً تقدير نسبة الغازات الدفيئة غير المباشرة مثل أول أوكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين، والمركبات العضوية المتطايرة غير الميثانية، وثاني أوكسيد الكبريت، والتي لها تأثيرات غير مباشرة على المناخ وتغيّر الحياة الجوية للغازات الدفيئة الأخرى. يشكل قطاع النقل في لبنان المصدر الرئيسي للغازات الدفيئة غير المباشرة، كونه مسؤولاً عن 60 بالمئة من انبعاثات أكاسيد النيتروجين، و99 بالمئة من انبعاثات اول أوكسيد الكربون، و57 بالمئة من المركبات العضوية المتطايرة غير الميثانية. واحتراق الوقود لإنتاج الطاقة هو الباعث الرئيسي لثاني أوكسيد الكبريت مع 94 بالمئة من الانبعاثات، والناجمة أساساً عن محتوى الكبريت في الوقود المحترق.

الناشر: الشركة اللبنانية للاعلام والدراسات.
رئيس التحرير: حسن مقلد


استشاريون:
لبنان : د.زينب مقلد نور الدين، د. ناجي قديح
سوريا : د.أكرم سليمان خوري
مصر : أحمد الدروبي
مدير التحرير: بسام القنطار

مدير اداري: ريان مقلد
العنوان : بيروت - بدارو - سامي الصلح - بناية الصنوبرة - ص.ب.: 6517/113 | تلفاكس: 01392444 - 01392555 – 01381664 | email: info@greenarea.me

Pin It on Pinterest

Share This