د. ناجي قديح

الطمر والحرق والترحيل، “مثلث” خيارات مهندسي سياسة الحكومة في ملف النفايات. لقد سقط من حسابهم مؤخرا خيار “الترحيل” لما رافقه من فضائح مافيوية على مستوى الداخل والخارج معا. ومع الفشل الذريع لخيارات المطامر، يستقر اعتماد الفريق الحكومي والمروِّجين له على كل المستويات على خيار الحرق.

نلاحظ هرولة لافتة للإنتباه نحو هذا الخيار المُشبع بالمخاطر. ونراهم، لتسويق خيارهم هذا، يلجأون إلى كل أشكال التضليل، بما فيها الأكثر سذاجة وهزلا. فمن أكذوبة الجيل الرابع لـ”وجاق” ضهور الشوير، إلى مهزلة “الرماد المتطاير الذي لا يطير” على لسان رئيس بلدية بيروت، اللَّاهث نحو المحرقة، ليزرعها في أحياء بيروت المكتظة بالسكان، وصولا إلى مقولة أن “التفكك الحراري لا يولِّد رمادا”، نجد أن ثمة حلقة جديدة من التسويق الساذج للمحارق، متخفية تحت عبارة التفكك الحراري السحرية. كنا قد شرحنا معمقا في مقالات سابقة ماذا يعني هذا المفهوم، إذ أن التفكك الحراري هو أسلوب تقني لتفكيك المواد والمركبات بفعل تعريضها للحرارة، في أوساط مختلفة من حيث غناها بالاوكسجين، من الغنية جدا إلى الفقيرة، فإلى الخالية كليا، أي تفكيكها عبر استخدام الطاقة الحرارية. وهذا الأسلوب يشمل تقنيات عديدة، وهي:

-> الحرق Incineration or Combustion، أي التفكيك عبر الأكسدة في وسط غني بالأوكسجين.

-> الإنحلال أو التحلل أو التحول الحراري Pyrolysis، وهو تعريض المواد إلى الحرارة في وسط فقير جدا، أو خال تماما من الأوكسجين والهالوجينات. وهذا ليس حرقا للمواد، بل تفحيما لها، أي تحويلها إلى فحم وغازات وأبخرة. بعض هذه الأبخرة يعاد تكثيفها للحصول على نوع من الوقود يشبه بخصائصه المازوت.

-> تحويل المواد إلى غازات Gasification، وهذه التقنية تتم في منزلة وسط بين الحرق والبيروليز، أي هي حرق غير كامل في وسط فقير جدا بالأوكسجين، وعلى درجات حرارة عالية جدا (بين 400 و1500 درجة)، ويتولد عن هذه العملية تحويل المواد إلى غازات غنية بأول أوكسيد الكربون والهيدروجين، وبالتالي حرقها لتوليد الطاقة.

-> البلازما Plasma، وهي تعريض المواد لدرجات حرارة عالية جدا بين 5000 و10000 درجة مئوية، وهي ليست حرقا للمواد ولا تفحيما لها، تنشأ هذه الحرارة العالية من قوس كهربائي، وتؤدي إلى تحويل كل المواد الصلبة الترابية والمعادن إلى رماد أولا، وبالتالي إلى صخر بلوري، والمواد العضوية إلى غاز غني بالطاقة. وتتم هذه العملية في وسط فقير جدا بالاوكسجين لمنع عملية الاحتراق. تقوم شعلة القوس الكهربائي بتحويل المواد العضوية إلى غازات تسمى “غاز صناعي” Syngas، مكوَّن من أول أوكسيد الكربون والهيدروجين، وتحويل المواد المعدنية غير العضوية إلى رماد. إذا استمر تعرُّض الرماد للشعلة، يتحول إلى كتلة بلورية خاملة تسمى “الخبث” Slag. فالغازات المتكوِّنة من جزيئات أول أوكسيد الكربون والهيدروجين، تستعمل لإنتاج الطاقة عبر حرقها.

 

على ضوء هذا الشرح الوافي، نحن نجزم أنكم ذاهبون إلى الحرق، ولا يغيِّر في الأمر شيئا إن كنتم تنوون استخدام الطاقة المرافقة للحرق في تحويلها إلى أشكال قابلة للإستعمال، حرارية أو كهربائية. هذا الأمر لا يغيِّر في خصائص وميزات الحرق شيئا. وهنا لا بد من القول، أن استخدامكم لمفهوم “من نفايات إلى طاقة” يفتقد للدقة العلمية، كما بينَّا ذلك في كتابات سابقة، تحت عنوان “أكذوبة التفكك الحراري” من نفايات إلى طاقة. وكذلك، يفتقد إلى التبرير الإقتصادي، إذا تفضلتم باحتساب سعر كلفة إنتاج الطاقة عبر حرقكم لنفايات لبنان الفقيرة بالطاقة، والتي تحتاج لكي تحترق إلى كميات كبيرة من الفيول والمحروقات لتشغيل الحرَّاقات، وللمحافظة على درجة حرارة الإحتراق المطلوبة.

المحارق المصدر الرئيس لانبعاثات الديوكسين والفوران Dioxins and Furans، التي تشير أحدث الدراسات أنها، إضافة لنشاطها عالي السمية المعروف لناحية التسبب بالأمراض السرطانية والقلبية والكلوية والكبدية، إلى أنها مسبِّب محتمل للعقم عند الرجال. فقد أشارت دراسة منشورة في مجلة “علم البيئة وأبحاث التلوث” Environmental Science and Pollution Research 22(19) pp 14566-14569 بعنوان “الديوكسبن في مَنْيِ الرجال الذين يعانون من العقم” Dioxins in the semen of men with infertility، تخلص إلى أن هناك علاقة واضحة بين عوامل التلوث البيئي بالديوكسين والفوران والصحة الإنجابية عند الرجال.

تنتمي الديوكسينات والفورانات Dioxins and Furans إلى الملوِّثات العضوية الثابتة، موضوع اتفاقية استوكهولم بشأن الملوثات العضوية الثابتة، ولبنان من أوائل الدول المصدِّقة عليها.

يتضمن الملحق “ج” Annex C لاتفاقية ستوكهولم الملوثات العضوية الثابتة التي يتم إنتاجها بشكل غير مقصود، وهي الديوكسينات والفورانات، وسداسي كلوروبنزين Hexachlorobenzene HCB، وثنائي الفنيل متعدد الكلور Polychlorobiphenyls PCB.

يعدد هذا الملحق مصادر هذه الإنبعاثات، فيقول أنها تنبعث من العمليات الحرارية (التفكك الحراري)، التي تشمل موادا عضوية وكلور أو أي هالوجين آخر (كلور، فليور، بروم، يود …الخ) كنتيجة للإحتراق غير التام أو للتفاعلات الكيميائية. ولفئات المصادر الصناعية التالية قدرة عالية نسبيا على تشكيل وإطلاق هذه المواد الكيميائية في البيئة:

أجهزة ترميد النفايات (المحارق، أو محارق التفكك الحراري)، بما في ذلك ترميد النفايات البلدية إلى الخطرة أو النفايات الطبية أو حمأة المجاري في مكان واحد.

أفران الأسمنت التي تحرق نفايات خطرة.

يتضمن الجزء الثالث من فئات المصادر، ما يلي:

الديوكسينات والفيورانات وسداسي كلور البنزين وثنائيات الفينيل متعدد الكلور، يمكن أن تتكون من غير قصد وتطلق من فئات المصادر التالية، بما في ذلك:

حرق النفايات في العراء، بما فيها حرق مواقع دفن النفايات (المطامر).

 

 

مصادر الإحتراق في المناطق السكنية،.

حرق الكابلات النحاسية بدون لهب.

كل الأبحاث والتقارير العلمية، تؤكد أن كل أنواع محارق النفايات، بما فيها ما يجهد المروِّجون لخيار المحارق في لبنان إلى إخفاءها تحت تسمية “تفكك حراري” أو “من نفايات إلى طاقة”، وكذلك تؤكد الإتفاقيات الكيميائية الدولية، التي هي بالأساس ترتكز على حصيلة منجزات العلم والبحث العلمي والدراسات العلمية في كل بلدان العالم الحقيقة الثابتة، أن كل أنواع المحارق يشكل مصدرا رئيسا لانبعاثات لائحة طويلة من الملوِّثات الجزيئية (الرماد المتطاير) والغازات السامة، والمركَّبات عالية السُمِّيَّة التي تتكون عن غير قصد، مثل الديوكسين والفوران، وغيرها من الملوثات العضوية الثابتة عالية الخطورة على الصحة البشرية وعلى البيئة.

نناشد أهلنا “البيارتة” الأعزاء، أهل بيروت وضواحيها، وكل اللبنانيين المهدَّدين بصحتهم وصحة أطفالهم وأجيالهم مع لهْث المسؤولين في لبنان، ومهندسي سياسات النفايات، والعديد من المستفيدين والصائدين في المياه العكرة، من مروِّجين للمحارق بكل الأحجام على المستوى الوطني، للسير نحو خيارات الحرق، أن يتمعَّنوا جيدا بمعطيات العلم والحقائق الموضوعية العلمية، والمراجع العلمية الموثوقة، والإتفاقيات الدولية المعنية بشأن السموم الكيميائية، وأن يواجهوا بكل الأشكال ما يُحَضَّر لهم من مشاريع خطيرة ومشبوهة، تهدد صحتهم إلى أجيال ممتدَّة على مدى سنوات الحاضر والمستقبل.

 

Pin It on Pinterest

Share This