حذّر خبير المياه في المكتب الإقليمي لـ “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” (فاو) فوزي كراجة، في آب (أغسطس) الماضي، من أخطار ندرة المياه في المنطقة التي بدأت تظهر بوضوح في الكثير من الدول، ومن شأنها أن تضع القطاع الزراعي أمام تحديات كثيرة تؤثر مباشرة في الأمن الغذائي والاقتصاد الريفي.

وأشار الى أن “إقليم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا يعتبر الأكثر تأثراً بندرة المياه لانخفاض حصة الفرد 60 بالمئة خلال العقود الأربعة الماضية، كما ستنخفض 50 بالمئة بحلول عام 2050”.

وفي تحذير جديد، توقع البنك الدولي “تراجع مصادر المياه العذبة ونصيب الفرد من مياه الشفة في أكثر مناطق العالم، بسبب التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض وشح الأمطار والزيادة السكانية وتدهور البيئة”.

في هذا السياق، قال الباحث والخبير في شؤون المياه في الشرق الاوسط صاحب  الربيعي لـ greenarea.me  ان السبب الرئيسي في تراجع  حصة الفرد من المياه العذبة في غالبية دول العالم يعود “لتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيراتها السلبية المتباينة على أقاليم العالم الجغرافية حيث ترتفع درجات الحرارة – على نحو أكبر – في بعض أقاليم العالم ويتحسن المناخ في أقاليم أخرى. وبدوره يؤثر – سلباً أو إيجاباً – في معدلات الهطولات المطرية أو الثلجية، وشح المياه والجفاف وتدهور  البيئة والتنوع البيولوجي”.

اعتبر تقرير البنك الدولي في هذا المجال، أن مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغرب آسيا وحوض البحر المتوسط وجنوب أفريقيا وغرب القارة الأميركية وأجزاء من أستراليا والبرازيل “ستشهد انخفاضاً حاداً في مصادر المياه، وربما تكون له تداعيات سلبية اقتصادية وبيئية وبشرية بعد عام 2050”.

وفنّد الربيعي اهم الاسباب المؤثرة في هذا المجال، وشدد على ان “عدم التزام دول العالم بتعهداتها حول خفض معدلات غازات الاحتباس الحراري وتبني مشروعات الاستدامة والصديقة للبيئة وعدم تخفيض معدلات استهلاك الوقود الاحفوري، كل هذا سيؤثر سلباً في طبقة الاوزون، من ثم نفاذ أشعة الشمس والحرارة على نحو أكبر نحو الارض فتحدث ظاهرة الألبيدو، حيث يزيد معدل الأشعة المرتدة لترتفع درجة حرارة الأرض وتذوب ثلوج القطبين، ويرتفع مستوى مياه البحار فتغرق الجزر والسواحل ودلتا الأنهار، وتتضرر مصائد الأسماك والأحياء المائية وتنغمر الأراضي الزراعية بالقرب من السواحل والجزر وتزيد الظواهر المناخية السلبية مثل الفيضانات المدمرة والعواصف والتسانومي والنشاطات البركانية والجفاف فيؤثر سلباً في القطاعات التنموية والاقتصادية والغذاء العالمي والفقر والمجاعة”.

أما بالنسبة للتأثير السلبي الذي سينعكس بشكل خاص على أقاليم الشرق الاوسط وشمالي أفريقيا وغربها وحوض المتوسط وغيرها، قال الربيعي: “بسبب موقعها الجغرافي في المنطقة الجافة وشبه القاحلة من العالم المتأثرة بالمناخ الصحراوي وقلة الأمطار أو قربها من المناطق الاستوائية الحارة والجافة، فضلاً على تأثرها السلبي بالتغيرات المناخية العالمية على نحو أكبر من بقية أقاليم العالم”.

 

70 بالمئة نسبة تدني التغذية بالمصادر الجوفية

 

أما البنك الدولي فشدد على المضاعفات المرتقبة في تقريره مثل “تدني التغذية بالمصادر الجوفية بنسبة تصل إلى 70 بالمئة، وتقلّص سماكة المياه العذبة في الجزر من 25 إلى 10 أمتار، وازدياد عدد المناطق المهددة بالفيضانات، وارتفاع مياه المحيطات وملوحة الأراضي الزراعية وتراجع تدفق الأنهر، ويصاحب ذلك زيادة درجتين في حرارة سطح الأرض”.

في هذا السياق، يقول الربيعي ان “انخفاض معدلات سقوط الأمطار والجفاف بسبب التغيرات المناخية العالمية سيؤثر سلباً في التغذية الطبيعية للخزانات الجوفية مقابل ثبات معدلات الاستهلاك – مياه الشفة أو الري – أو زيادتها بسبب الزيادة السكانية والتوسع بالمساحات الزراعية المروية المعتمدة على المياه الجوفية، ما يؤثر سلباً في الاستخدام الآمن لمياه الخزان الجوفي، فينخفض منسوب مياهه في الطبقة الحاملة إلى دون المعدلات الحرجة، ويقل الضغط الاسموزي للمياه العذبة، ما يسمح بدخول المياه المالحة المحيطة بالخزان الجوفي فتتلوث المياه وتصبح خارج الاستخدام الآمن”.

أما عن ارتفاع مياه المحيطات وملوحة الأراضي الزراعية وتراجع تدفق الأنهر، فأشار الربيعي الى “ارتفاع مستوى مياه المحيطات وتملّح الأراضي الزراعية وتراجع تدفق مياه الأنهار وارتفاع درجة حرارة الأرض”، وقال: “إن ارتفاع درجة حرارة الأرض المتوقعة في العقود القادمة نحو 2 درجة مئوية سيزيد من معدلات ذوبان الصفائح والجبال الجليدية في القطبين، وعلى نحو طبيعي، يزيد منسوب مباه البحار وتتأثر سلباً الحركة الدورانية الطبيعية لمياه المحيطات في الأرض ونسبة التوازن الملحي، فيؤثر سلباً في المناخ الإقليمي لتزيد الفيضانات والعواصف، وتتغير اتجاهات حركة الرياح على خطوط العرض وغيرها. وفي المقابل فإن ارتفاع درجة حرارة الأرض يؤثر على نحو متفاوت بالأقاليم الجغرافية للأرض – سلباً أو إيجاباً – إذ يزيد سقوط الأمطار أو يقل، فيسود الجفاف وتتراجع المساحات الزراعية – الديمية والمروية – وبدوره يؤدي لتراجع حجم الإنتاج الزراعي والغذاء العالمي، لترتفع معدلات الفقر والجوع في العالم، وتزيد معدلات الهجرة للمزارعين من أراضيهم، ومع الزمن تتدهور خصوبة التربة وتتعرض للتملح لتخرج من حيز الاستخدام الزراعي”.

نظراً لهذه التوقعات، أجمع خبراء البيئة على ان المناطق العربية ستكون من أكثر المتضررين ، فيقول الربيعي: “يقع الوطن العربي في المنطقة الجغرافية الجافة والقاحلة من العالم، ونحو 15-20 بالمئة من أراضيه صحاري ونحو 67 بالمئة من موارده المائية الرئيسة في الأنهار الدائمة الجريان تأتي من خارج حدوده الإقليمية، مثل نهرالنيل ونهري دجلة والفرات. فضلاً على أن منابع مياه الأنهار غير الدائمة الجريان – يطلق عليها الوديان – مثل نهر السنغال في موريتانيا وجوبا وشبيلي في الصومال تأتي من خارج حدوده الإقليمية. ترافق ذلك مع شروع دول المنبع بناء عشرات السدود على مجاري الأنهار مثل سد النهضة في أثيوبيا، وباقي السدود في الدول الأفريقية المتشاطئة على مقاطع مجرى نهر النيل ومنظومة سدود الكاب في تركيا على مقاطع مجرى نهري دجلة والفرات، مما خفض معدلات الجريان الطبيعي للأنهار إلى مستويات كبيرة، وفرضت اتفاقيات تقاسم حصص المياه على نحو يخالف الحق التاريخي المكتسب لدول أسفل النهر فتراجعت حصة الفرد السنوية من المياه. مع وجوب تحميل الحكومات العربية – على مدى عقود من الزمن – المسؤولية الكاملة عن التفريط بالحقوق المائية المكتسبة والاخفاق الكبير في إيجاد موازنة بين العرض والطلب على المياه”.

وبينما أظهرت بيانات البنك الدولي حول مصادر المياه العذبة، أن الشرق الأوسط “سجل عجزاً كبيراً في المياه يقل عن 100 متر مكعب، وتقدر بـ 92 في الأردن وفلسطين وإسرائيل و80 في اليمن والسعودية و20 في مصر و17 في الإمارات. يعزو الربيعي الاسباب الى “وجود فقر بمصادر المياه، وزيادة مفرطة بعدد السكان مقابل موارد مائية شحيحة، وسوء الإدارة المائية، وعدم رصد الأموال الكافية للنهوض بالمشروعات المائية الخزنية وحصاد المياه، وقلة الوعي المائي للمواطن والاستهلاك غير العقلاني، وضعف القوانين الرادعة للتجاوز على مصادر المياه وهدر المياه أو ضعف تطبيق القوانين. فضلاً عن التغير المناخي المؤثر سلباً بتراجع معدلات سقوط الأمطار والتنافس الشديد بين الدول المتشاطئة على المياه المتاحة، وتقاسم الحصص مقابل ثبات متوسط الإيراد السنوي للأنهار أو انخفاضه بسبب الجفاف”.

 

ما الحل؟

 

يلخّص الربيعي الحل قائلاً: “المطلوب التزام دول العالم بتعهداتها في مؤتمر القمة للأمم المتحدة حول تغير المناخ cop21 المنعقد في باريس للفترة 30/11-11/12/2015 للحد من الارتفاع بدرجة حرارة الأرض أكثر من درجتين مئويتتن، وخفض نسبة غازات الاحتباس الحراري، وستبدأ إجراءات التنفيذ عام 2020 لخفض معدلات استخدمات الوقود الاحفوري والفحم واستبدالهما بمصادر الطاقة المتجددة والغاز واستبدال الأساليب التقليدية لإدارة الغابات والأراضي الزراعية بالأساليب الحديثة والمتطورة والمستدامة. على خلافه سترتفع درجة حرارة الارض نحو 4-5 درجات مئوية بحلول عام 2100 وستحل الكارثة على كوكب الارض”.

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This