خلال السنوات الـ ١٣٨ الماضية سجل مشاهدة طائر “الكراون الصحراوي”  Eurasian Stone Curlew عشر مرات في لبنان، من خلال سجلات رصد سبعة مراقبين للطيور من عدة بلدان كانوا يقومون برحلات مراقبة للطيور. وفي العام ١٩٨٣ اعتبر العالمان  Cramp & Simmons ان هذا الطائر النادر منقرض في لبنان.

ويعد “الكروان الصحراوي” (Stone Curlew) الاسم العلمي (Burhinus Oedicnemus)، طائرا صحراويا ومهاجرا شتويا وعابرا يظهر خلال شهر آذار (مارس) وشهر تشرين الأول (أوكتوبر) من العام. يألف المناطق شبه الصحراوية والأراضي الحصوية والمزارع، يتجمع بالقرب من الجيف حيث تجذبه الرائحة الكريهة.

خلال العام ٢٠١٦، وبالاستناد الى برنامج مراقبة امتد اربع سنوات، استطاع الدكتور غسان رمضان جرادي الخبير في علم الطيور والتنوع البيولوجي، ان يلقتط عدة صور لطائر “الكروان الصحراوي” في حمى الفاكهة ورأس بعلبك المصنفة منطقة مهمة للطيور من قبل “المجلس العالمي لحماية الطيور” Birdlife International.

في العام ٢٠١٣، وفي تجربة هي الأولى من نوعها، أعلن عن انطلاق مشروع “حمى الفاكهة”، البلدة المصنّفة منطقة مهمة للطيور، والتي قرّرت أن تنظّم الصيد بطريقة تسمح بالحفاظ على التنوّع البيولوجي، إضافة إلى تنظيم الرعي وتشجيع السياحة البيئية ودعم الحرف المحلية.

 

ويلفت أسعد سرحال مدير “جمعية حماية الطبيعة في لبنان” SPNL إلى أن الفاكهة مصنّفة من قبل المجلس العالمي لحماية الطيور، كمنطقة فائقة الأهمية لعشرات من أنواع الطيور المقيمة والمهاجرة. وهي جزء من المنطقة التي تضم أقصى الطرف الشمالي من وادي بعلبك، في الشمال الشرقي للبنان، وتمتد إلى سفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية.

ويشدّد سرحال على الفارق الكبير بين المحمية التي تعلنها الدولة عبر القانون، الذي يبقى في غالب الأحيان عرضة للانتهاك أو عدم التطبيق، وبين نظام الحمى الذي يتبناه الناس ويدار عبر المجتمع المحلي.

ويسجل لجمعية SPNL الشريك الوطني للمجلس العالمي لحماية الطيور تعاونها مع البلديات والسكان المقيمين وقطاعات الإنتاج، في استعادة نظام الحمى في مواقع عدة، أبرزها: إبل السقي، كفر زبد، عنجر، القليلة، المنصوري وعندقت، وسعيها الى إعادة تكريس النظام الموروث في استخدام الموارد وتصنيف الأراضي وحمايتها في جرود الهرمل.

وكان الدكتور جرادي قد نشر دراسة محدثة في 2008 تضمنت معلومات حوالى 360 نوعاً من الطيور، بينها 260 طيراً مهاجراً. وكان لجرود الفاكهة ورأس بعلبك نصيب وفير من الدراسة، حيث سجل أكثر من 50 نوعاً، بينها 10 أنواع ذات إقليم حيوي محدد (biome-restricted) تتزاوج فيها، معظمها من ضمن الإقليم الحيوي للصحراء الكبرى وصحراء السند، وهي: الكروان العسلي، القبرة مقلمة الذنب، قبرة الصحراء، قبرة تمنك، الأبلق الحزين، الهازجة المُقلّمة، الزمير الوردي، قانص البندق الصخري الغربي، دوري الصخر الباهتة وهازجة أم نظارة.

ويضيف جرادي “من أصل هذه الأنواع، هناك سبعة أنواع نادرة أو غير معروفة كطيور تتزاوج في أماكن أخرى في لبنان. عدة أنواع أخرى تتزاوج عادة هنا وهي نادرة التعشيش في أماكن أخرى في البلاد مثل البومة الصغيرة والقبرة القصيرة الأصابع”.

ويشرح جرادي أن واحداً من أهم الاستنتاجات التي خرجت بها الدراسة يتمثل في تأثر إقامة الطيور وهجرتها بظاهرة تغير المناخ، حيث سجل في هذه المنطقة نوعان غير معروفين من قبل، هما: قبرة الصحراء موشمة الذنب، وهو نوع من الصحراء الساخنة، وطائر نمنمة الشجر، وهو نوع صحراوي وشبه صحراوي، وعلى الأرجح أنّ ظهور هذه الأنواع في لبنان، ولا سيما في الفاكهة والقاع والهرمل وبعلبك قد لا يعود إلى الجهود التي بذلت لمراقبةٍ زائدة أو بسبب تغيير موائلها الطبيعيّة فحسب، بل على الأرجح نتيجةً لظاهرة الاحتباس الحراري.

ويلفت جرادي الى ان جولات المراقبة التي قام بها في العام ٢٠١٦ في نطاق حمى الفاكهة، قد نتج عنها توثيق ظهور ثمانية طيور من نوع الكروان الصحراوي، وذلك في منطقة تمتد من الفاكهة الى الهرمل مروراً برأس بعلبك، اضافة الى تسجيل ٢٦ طائر من نوع الدراج أو الكروان العسلي ويسمى أيضا جليل، وهو الرقم الاعلى المسجل في تاريخ التسجيل العلمي للطيور النادرة في لبنان. كذلك تم تسجيل ثلاث طيور على الاقل في حمى الفاكهة من نوع “الدرسة الشامية”، وهي من انواع الطيور المصنفة “كنوع قريب من الخطر” بحسب التصنيف العالمي للائحة الحمراء الصادرة عن الاتحاد العالمي لصون الطبيعة. ويقول جرادي ان “الدرسة الشامية” التي شوهدت في حمى الفاكهة قد تكون وصلت الى مرحلة التكاثر في هذه المنطقة وليس فقط المرور العابر، ولكن ليس هناك ادلة مؤكد انها تعشش في الفاكهة.

ويلفت جرادي الى ان عودة الكروان الصحراوي والزيادة الملحوظة في اعداد  الدراج أو الكروان العسلي، واحتمال تكاثر الدرس الشامي في منطقة حمى الفاكهة، كلها مؤشرات تثبت نجاح تجربة الحماية لهذه الانواع من الطيور في مناطق الحمى، ولا شك ان هذه الطيور قد استفادت من قرار منع الصيد في المناطق التي تدخل في نطاق حمى الفاكهة والذي اشرفت البلدية على انفاذه بالتعاون والتنسيق مع جمعية حماية الطبيعة في لبنان. واردف جرادي: “رغم هذه الجهود التي تقوم بها الجمعيات البيئية التي تعمل على المحافظة على الحياة البرية وحماية الطيور، فان جهودا اكبر يجب ان تبذلك لوقف الصيد العشوائي للطيور المقيمة والمهاجرة والتي تعتبر آفة عالمية خصوصاً في دول حوض المتوسط.

ويكشف تقرير صدر عن “المجلس العالمي لحماية الطيور” في العام ٢٠١٥ حقائق مقلقة حول العدد الهائل من الطيور التي يتم قتلها من خلال الصيد العشوائي وغير الشرعي وغير المنظم، ويقول التقرير ان هناك عشرة دول سجلت النسب الاعلى من قتل الطيور، بينها لبنان، حيث يقتل سنوياً ما يزيد عن 2.6 مليون طائر.

يقع لبنان في ثاني أهم معبر للطيور المهاجرة حول العالم، لكن للاسف تواجه هذه الطيور عمليات قتل منظمة خلال مرورها. ويعتبر مسار حفرة الانهدام _ البحر الأحمر ثاني أهم مسارات الطيران للطيور المهاجرة في العالم (الطيور الجارحة، اللقالق، طيور البجع وطيور أبو منجل) يستخدمه 37 نوعاً من الطيور الحوامة المختلفة، بما في ذلك خمسة أنواع مهددة بالانقراض عالمياً.

ويشير التقرير إلى أن حوالي 248 طائر في الكيلومتر المربع يقتل سنوياً في لبنان، وهناك 327 نوعا من انواع الطيور المقيمة والمهاجرة في لبنان، 59 بالمئة من انواع هذه الطيور يتعرض لجميع انواع الصيد الجائر. وفي العام 2012 استكمل “المجلس الاعلى للصيد البري” إصدار كافة المراسيم التطبيقيـة والقرارات التنظيمية للقانون الرقم 580 المتعلق بالصيد البري. وأبصـر هذا القـانون النـور عـام 2004، لكنه لم يطبق حتى اليوم.

ويقول التقرير ان عادات الصيد العشوائي منتشرة بكثرة في لبنان، أبرزها الصيد في الليل والصيد بالدبق والشبك والأشراك، وفي المدن والقرى وأماكن التنزه والحدائق العامة والمحميات الطبيعية والاماكن المصنفة تراثياً، والصيد في الاراضي الخاصة، وعرض الطرائد المصطادة خارج السيارات وعلى الطرقات العامة، وترصّد الحجال والاحتيال عليها بجذبها من خلال استعمال آلات التسجيل التي تصدر أصواتاً شبيهة بأصوات الطيور والحيوانات. والمطاردة بواسطة السيارة والانوار الكاشفة، والصيد في المناطق الجبلية عندما تكسوها الثلوج بكاملها. ومن ابرز الطرائد التي يتم اصطيادها بأعداد كبيرة في في لبنان المطوق والفري وأبو قلنسوة.

 

Pin It on Pinterest

Share This