تحتل حلوى الزلابية حيزا مهما لدى الجزائريين، وتعد من بين العادات الرمضانية التي يصعب الإقلاع عنها، إذ يكثر الإقبال في هذا الشهر الكريم على مختلف أنواعها بالرغم من سعرها الذي يتزايد من سنة إلى أخرى، ولعل أشهرها في الجزائر “زلابية بوفاريك”، لكن لا أحد ينكر ما تعرفه الزلابية التونسية من إقبال طوال السنة وخصوصا في شهر رمضان.

بوفاريك عاصمة الزلابية

في مدينة بوفاريك التي تبعد عن العاصمة الجزائر نحو 30 كيلومترا، تشتهر بعض العائلات بصناعة هذه الحلوى، وهي تتبع طرقا ووصفات سرية خاصة بها، وترفض هذه العائلات الكشف إلا عن المواد الأساسية التي تستعمل في تحضيرها كالسميد (الدقيق) والفرينة والتي تصنع من مزج الاثنين معا، وتأتي بشكل مغاير للزلابية التونسية، فهي تكون غليظة الحجم وبشكل طولي.
يعود الفضل حسب ما روي لـ greenarea.me من إحدى العائلات التي تحترف هذه المهنة، إلى الجدة الكبيرة التي توفيت منذ سنوات، والتي كانت أول من ابتكر طريقة صنعها، وأطلقت عليها تسمية الزلابية. ففي إحدى السنوات قامت هذه الجدة بتحضير نوع آخر من الحلويات، لكن تلك الحلوى لم تنجح لها وخمرت بطريقة لم تستوعبها فصرخت وقتها وقالت “آه زلا بيا” أي حدثت لي مشكلة، وفكرت في مواصلة صناعة هذه الحلوى، وأطلقت عليها تسمية “زلابية” بعد اكتشافها لطعمها الرائع والمتميز، وفكرت في إعدادها مجددا بإضافة بعض المواد حتى أضحت تتفنن في صناعتها، ما جعلها تأخذ شهرة كبيرة منذ ذلك الوقت.

إرث عائلي

وقد أكد أحد أفراد هذه العائلة أن صناعة الزلابية التي وصلت إلى قرابة قرن من الزمن، هي عادة ألفوها من أجدادهم ولا يمكنهم التخلي عنها، واستطاع أبناؤهم المحافظة عليها كإرث عائلي، فلا يزال لحد الآن زبائن منذ سنة 1962 يشترون الزلابية من عندهم بالجملة ويبيعونها بالجزائر العاصمة، وأضاف أنهم عهدوا صناعتها في شهر رمضان فقط، ولا يمكنهم صناعتها وبيعها في وقت آخر.
ويذكر أن عدداً من أفراد هذه العائلات استطاعوا نقل هذه الحلوى وصناعتها في الخارج، مثل فرنسا لتصبح بذلك زلابية بوفاريك زلابية عالمية.

اختناق المدينة!

يصطف العشرات من أهل بوفاريك في الشوارع الرئيسية والأزقة يبيعون الزلابية، ولكم أن تتصوروا كيف يبدو الطريق الوطني الرابط بين مدينة الجزائر والبليدة في مقطعه المؤدي إلى مدينة بوفاريك، خصوصا خلال الساعات القليلة قبل الإفطار حيث تشهد الطرقات ضغطا كبيرا وازدحاماً شديدا للسيارات، ما يؤدي إلى اختناق المدينة خلال هذه الفترة رغبة في اقتناء “زلابية بوفاريك”، رغم الانتشار الكبير لمحلات بيع هذه الحلوى بمختلف المناطق.
ومهما كان سعرها الذي فاق 200 دينار للكيلوغرام الواحد، فإنها تلقى رواجا كبيرا، حتى أن بائعيها في المدن الأخرى في مختلف ولايات الجزائر ممن يسعون لاستقطاب الزبائن يكتبون على طاولات البيع “زلابية بوفاريك” ضمانا لبيعها السريع.

الزلابية التونسية طوال السنة

إن الظهور الموسمي لزلابية بوفاريك خلال شهر رمضان فقط، ومع كثرة المحلات التي تتميز في صناعة هذه الزلابية الخاصة بأهلها الحقيقيين جيراننا التونسيين، أصبحت الزلابية التونسية تنافس بشكل واضح الزلابية المحلية، فصارت موضع إقبال المواطنين، ليس فقط في رمضان بل على مدار السنة.
خلال جولتنا إلى العديد من محلات العاصمة الجزائرية المختصة في هذه الحلويات، تحدثنا إلى الباعة وبعض العمال الذين يشتغلون في محل حلويات شرقية، وقد اطلعنا على طريقة إعداد الزلابية التونسية المكونة من الفرينة في أحد أنواعها، ومن السميد في صنفها الآخر، حيث يتم تحضير عجينتها يومين قبل أن تكون جاهزة للطبخ، وتكون بشكل دائري رقيق الحجم.
ثم التقينا بالجد الحاج أحمد الذي قدم من تونس، وأجابنا لماذا صنعت الزلابية التونسية اسما راسخا لها في الجزائر، وأصبحت تنافس مختلف أنواع الحلويات الأخرى التي تصنع في بلادنا، فقال لـ greenarea.me: “مضى على وجودي بالجزائر وفي صناعة هذا النوع من الحلويات ما يقارب 6 عقود كاملة، فقد كنت أعمل في هذه المهنة منذ 1954، أي إبان الفترة الاستعمارية، وقد كان أجدادي قبل ذلك بكثير يمتهنون هذه الصناعة التي ورثتها عنهم، كما أورثتها لأبنائي.
سألناه: لقد توارثتم هذه المهنة عن أجدادكم، فهل يرحب الشباب بالعمل في صناعة هذا النوع من الحلويات؟
فقال: “نحن نفتخر كثيرا بهذه الصناعة العريقة للزلابية التونسية، فهي تعتبر من بين أهم الحلويات الشرقية التي تلقى اهتماما كبيرا لدى سكان المغرب العربي، وخصوصا الجزائريين الذين يقبلون عليها كثيرا خلال شهر رمضان، وبالرغم من أنني أحببت هذه المهنة منذ صغري، إلا أنني أجد أن فئة الشباب لا تروق لهم هذه المهنة، حيث يهربون من حرارة المكان الذي تحضر فيه الزلابية، فطبخها يستوجب البقاء لساعات طويلة من أجل تحضير العجينة، وكذلك البقاء لفترات طويلة أمام مقلاة الزيت الساخن من أجل تحضير هذه الحلوى.
وعما إذا كانت صناعة الزلابية التونسية تستوجب إحضار يد عاملة مختصة من تونس، أو هل يمكن لأي كان تعلم هذه صناعة هذه الحلوى، أجاب: “صحيح أن المحلات التابعة لملاك تونسيين التي توجد بشكل كبير ومميز في العاصمة، تلقى إقبالا كبيرا من طرف المواطنين الذين يفضلون هذه الحلويات الشرقية والتقليدية على غيرها من الحلويات الغربية، ولكن ليس من الضروري أن يكون من يصنع هذه الحلوى التي تنسب إلى بلدنا، تونسيا كي يتميز في صناعتها، ففي المحل الذي أشتغل فيه مثلا هناك عمال جزائريون من مختلف الولايات، وهم يأتون للعمل معنا خصوصا في شهر رمضان، حيث يكثر الطلب على هذه الحلويات، ولذلك يكفي أن يتعلم الشاب هذه المهنة كي يتميز فيها دون النظر ما أن كان تونسيا أو جزائريا”.

Pin It on Pinterest

Share This