سوزان أبو سعيد ضو

غالبا ما تطالعنا الأنباء عن كارثة طبيعية، منها الزلازل والفيضانات والبراكين وموجات الجفاف والأعاصير وانجراف التربة، وقد وجدت دراسة عرضت خلال اجتماع للاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض the European Geosciences Union في فيينا، أن هذه الكوارث منذ بداية القرن العشرين (منذ العام 1900 وحتى 2015) تسببت بوفاة أكثر من ثمانية ملايين شخص في العالم، أي بمعدل 50 ألف حالة وفاة في السنة، وقدرت أضرارها الإقتصادية بما يتجاوز سبعة تريليونات دولار أميركي.

قاعدة بيانات CATDAT

CATDAT.jpg James daniell

قام بحساب هذه الأرقام وجمعها المهندس المختص بإدارة المخاطر Risk Engineer والباحث في معهد كارلسوهي للتكنولوجيا” Karlsruhe Institute of Technology في المعهد الجيوفيزيائي the Geophysical Institute في ألمانيا، وكذلك في مركز إدارة الكوارث والحد من مخاطر التكنولوجيا the Center for Disaster Management and Risk Reduction (CEDIM) الدكتور الأسترالي جيمس دانييل James Daniell.

وضعت هذه الارقام في قاعدة بيانات CATDAT لدراسة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن جمع وتقييم تلك البيانات الاجتماعية والاقتصادية الضائعة عبر الزمن، وقام ببناء قاعدة بيانات ضخمة لنموذجه الخاص للمخاطر بعد الكوارث التي تساعد الحكومات ومنظمات الإغاثة بإدارة الكوارث، وتقييم سريع لحجم كل كارثة.

وقد بنى دانييل قاعدة بيانات CATDAT منذ العام 2003، وقام بجمعها من خلال المعلومات من أرشيف الإنترنت والكتب والتقارير المقدمة من المؤسسات والمطبوعات وقواعد البيانات الأخرى في كافة أنحاء العالم، مع مصادرها الأصلية بأكثر من 90 لغة. وطور في كتابه المقدم كأطروحة دكتوراه، نموذج تقدير عالمي للزلازل، وذلك باستخدام البيانات التجريبية من أكثر من 8000 زلزال منذ عام 1900 وما يرتبط بها من تأثيرات اجتماعية واقتصادية على مر الزمن، وباستخدام هذه القاعدة، قدر عدد الضحايا والخسائر الاقتصادية لكل حدث، وفي بداية العام 2016، تلقى دانييل واحدة من جوائز الدكتوراه الثلاث مقدمة من الجامعة لهذا النموذج، ويعمل على تحديث نموذجه باستمرار للتعامل مع الكوارث الطبيعية الأخرى مع أكثر من 35000 حدث كارثي منذ العام 1900، فضلا عن كوارث عديدة إضافية ما قبل عام 1900.

وتعد هذه الدراسة الجامعة لأكثر من 35 ألف كارثة طبيعية على مدى 115 سنة على مستوى العالم، أوسع قاعدة بيانات عن هذا الموضوع حتى اليوم، وقال دانييل أن الفيضانات هي السبب الرئيسي المساهم في حالات الموت والتأثير على الإقتصاد“. وبينت دراسته أن أكثر من ثلث – 38،5 بالمئة من الأضرار الاقتصادية، وأكثر من نصف الخسائر في الحياة، كانت نتيجة الفيضانات، وتسببت الزلازل بحوالي 26 بالمئة من الخسائر، والعواصف بنحو 19 بالمئة، والانفجارات البركانية بنحو 1 بالمئة.

منذ العام 1960، باتت العواصف ولا سيما العواصف الشديدة مع ما تسببه من موجات استثنائية أكثر ضررا من الفيضانات على الصعيد الاقتصادي، وكانت الأكثر تدميرا حيث ضربت المباني والبنى التحتية، وعند سؤاله إن كان هذا التحول نتيجة لتغير المناخ أجاب أنه من المستحيل أن أجزم بذلك“.

ومنذ بداية القرن العشرين بقي عدد الوفيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية ثابتا تقريبا مع انخفاض بسيط“. فقد أودت هذه الكوارث بحياة نحو 50 ألف شخص في السنة، لكن أشار دانييل إلى أن عدد سكان العالم شهد زيادة بشكل ملحوظ في هذه الفترة.

وفي ما يتعلق بالقيمة الرأسمالية الحالية للبنية التحتية والمباني في كل بلد، فإن الضرر نتيجة الكوارث الطبيعية قد انخفض، ولفت دانييل إلى أن الدول الأقل نموا غالبا ما تكون أكثر عرضة تجاه الكوارث، مع المزيد من الوفيات، فضلا عن خسائر اقتصادية أعلى من المتوقع بعد الحدث، واكد دانييل أن أحد الأسباب الأكثر شيوعا للكوارث هو نوعية المبنى نفسه، في حين أن ثمة لوائح وقوانين للبناء وإن كانت موجودة، فغالبا لا يلتزم بها، وبالإضافة إلى ذلك، فإن اكتظاظ المواقع حيث يعمل الناس (كما هو الحال على السواحل في بنغلادش).

جمع دانييل في تحليلاته، العديد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية للعالم والدول والأقاليم مثل التنمية البشرية، الناتج المحلي الإجمالي GDP، الأصول الرأسماليةcapital stock، وأسعار الصرف exchange rates، ومؤشرات الأسعار price indices وبيانات تخص الأمن، ومَواطن الهشاشة في كل البلاد المعرضة للكوارث، بهدف دراسة هذا الاتجاه من الضعف والهشاشة مع مرور الوقت، وقام بدراسة تأثير الأحداث التاريخية طبقا لظروف أيامنا هذه، وفسر ذلك بأن ثمة اتجاها واضحا، لجهة أن العديد من البلدان (وليس الكل) تحمي نفسها بشكل أفضل في مواجهة الكوارث من خلال أبنية أفضل، وبالتالي، فإن ذلك يحد من خطر تعرض البشر لخسائر كبيرة، ومن الأمثلة التي أوردها التحسينات في الوقاية من الفيضانات خلال الفترة 1900-1960، وعلى الرغم من وقوع العديد من الأحداث الضخمة، فإن الخسائر الطبيعية قلت بشكل مطرد، ويعتبر الانخفاض الأكثر وضوحا في الصين واليابان.

ولحساب الخسائر، حوّل دانييل الخسائر من الحدث بقيمة الدولار اليومي، (بدراسة مؤشر سعر المستهلك، وبناء الرقم القياسي للتكلفة أو غير ذلك)، وقدّر الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية ما بين 6،5 و 14 تريليون دولار أميركي، ويستند الرقم 7 تريليون دولار على معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي GDP-deflator، طبقا لمؤشر الأسعار price index في كل قطر، وغالبا ما تختلف بين دولة وأخرى، إلا أن مكونات الخسارة الناجمة عن الكوارث الطبيعية لا تختلف بشكل كبير طبقا لكل قطر فحسب، بل تقديرات هذه الخسائر أيضا، وقال دانييل: “غالبا ما يكون من المستحيل الحصول على قيمة دقيقة واحدة لحدث أو كارثة، وللخسائر الاقتصادية، وغالبا ما يصعب تحديدها، فضلا عن المبالغة في تقدير عدد القتلى (على سبيل المثال، الزلزال الذي ضرب هايتي في عام 2010)، مقابل التقليل (مثل أوزبكستان في عام 1966)”، وبالتالي فقد وضع حدا أدنى وأعلى لتقديراته لكل الأحداث الماضية.

وشهد العام 2011 أكبر الخسائر الاقتصادية حتى الآن، مع الزلازل الكبرى في اليابان ونيوزيلندا، وقال: “مع حوالي 335 مليار دولار أميركي من الضرر المباشر، فتسلسل زلزال توهوكو وما تلاه من تسونامي، فضلا عن الحدث النووي يوم 11 آذار (مارس) 2011 (مفاعل فوكوشيما)، وهو أعلى حدث بقيمة الخسائر الإقتصادية الناتج عن كارثة طبيعية، وتوفي نتيجة لذلك 18500 شخص وأصبح حوالي 450000 بلا مأوى.

الموت نتيجة الكوارث الطبيعية

بلغ عدد الوفيات الناجمة عن الزلازل بين عامي 1900 و 2015 بحسب قاعدة البيانات في كافة أنحاء العالم حوالي 2،32 مليون (المعدل بين 2،18 و2٬63 مليون نسمة). توفي حوالي 59 بالمئة منهم نتيجة انهيار المباني، و28 بالمئة منهم بسبب آثارها الجانبية مثل تسونامي أو الانهيارات الأرضية، أما ثوران البراكين في نفس الفترة الزمنية فأودى بحياة 98 ألف شخص فقط (المعدل بين: 83 ألف و107 آلاف نسمة)، إلا أن الانفجارات البركانية قبل العام 1900، مثل بركان تامبورا في العام 1815، يحتمل أن يكون قد تسبب بخسائر كبيرة في الحياة وعلى نطاق واسع، فضلا عن تسببه بانخفاض في درجات الحرارة في كافة أنحاء العالم، ما أدى إلى مشاكل كبيرة في الأمن الغذائي.

وقال دانييل أن مجموع الوفيات بشكل كامل خلال الكوارث الطبيعية ظلت ثابتة إلى حد معقول، مع انخفاض طفيف، وموت حوالي 50 ألف شخص في المتوسط كل عام، ومع ذلك، بالنسبة لعدد السكان، انخفض عدد القتلى بشكل كبير بين الأعوام 1900و2015″،

وأوضح أنه على مدى هذه الفترة الزمنية، فقد مات نصف العدد بسبب الفيضانات، ومع ذلك، فبسبب تحسين التخطيط والتحذيرات والتدابير الوقائية، فإن معدل الوفيات بسبب الفيضانات آخذ في التناقص بشكل ملحوظ، وتسببت الزلازل منذ عام 1960، بأعلى نسب الموت بحوالي 40 بالمئة، وبالمقارنة مع معدل الوفيات العالمي نتيجة لكافة الأسباب، ظل معدل الوفيات الناجم عن الكوارث الطبيعية ثابتا تماما.

أما الأحداث الكيرى منذ العام 2000 لجهة عدد الوفيات ما فوق 100 ألف نسمة، فيعد تسونامي المحيط الهندي في العام 2004 الأكبر بحوالي 230 ألف حالة وفاة، وفي العام 2008 يأتي إعصار نرجس في ميانمار حوالي 140 ألف في المرتية الثانية، أما الحدث مع اكبر عدد من الوفيات حتى الآن فهو الفيضانات الكبرى في الصين في العام 1931 بحوالي 2،5 مليون حالة وفاة.

Pin It on Pinterest

Share This