شفيق أبي سعيد

لا شك أن هناك إجماعاً (مسؤولين ومواطنين) حول فشل القطاع العام في لبنان، أقله منذ العام 1975، في تأمين الخدمات الحياتية الأساسية من مياه وكهرباء ونقل عام وخلافه، ويمثل قطاع الكهرباء في لبنان أبرز مظاهر هذا الفشل.
قطاع الكهرباء في لبنان، آنياً، يتنازعه ثلاثة أفرقاء:
-قطاع عام، من خلال مؤسسة كهرباء لبنان، يحاول عبثاً وقف الإنحدار المستمر في مستوى الخدمة وتغطية الطلب المتزايد على الطاقة.
-قطاع خاص من المولدات، انتشرت عشوائياً ولا شرعياً على مساحة الأراضي اللبنانية، للتعويض عن نقص التغذية الكهربائية من مؤسسة كهرباء لبنان.
-إمتيازات قائمة، دنت مدد إنتهاء مهامها التعاقدية، فسعت رغم ذلك، لتأمين التغذية الكهربائية لمشتركيها على مدار الساعة (زحلة، جبيل،…).
كما أن هناك محاولات لاسترداد إمتيازات سبق وضمت إلى كهرباء لبنان (قاديشا)، وأخرى تسعى لولوج الساحة بإنتاج الطاقات المتجددة.
من مراجعة لأرشيف وزارة الطاقة والمياه، تبين أن هناك مجموعة كبيرة من الدراسات والأبحاث والمقالات، فضلا عن العديد من الخطط والبرامج، وكذلك بيانات بمبالغ طائلة، انفقت على مشاريع التأهيل والتجهيز والتطوير وأعمال الإستثمار منذ العام 1975 وحتى الآن، وهدفت جميعها إلى إصلاح القطاع الكهربائي في لبنان ووضعه على سكة التجديد والتحديث، وبالتالي قطع دابر التقنين.
لكن النتائج جاءت عكس المتوقع والمرغوب، لا بل تفاقمت مع مرور الزمن، ولا تزال تتابع الإنحدار، والسؤال: لماذا لم تثمر الجهود المبذولة ولم تشق طريقها حتى الآن، إلى الغاية المنشودة؟
مما لا شك فيه أن هناك معوقات ونتائج وآثار سلبية مرتبطة بالواقع اللبناني السياسي والطائفي والمذهبي وخلافه، والواقع الإداري والمؤسساتي والأمني، خصوصا في فترة الحرب اللبنانية العبثية وما بعدها، والتي تتشابه لدى معظم قطاعات الخدمات العامة، إلاّ أن التذرع بهذه المعوقات وحدها لا يكفي لتبرير الحالة السيئة التي وصل إليها القطاع الكهربائي في بلدنا، فلا شك أن هناك أسبابا أخرى.
بعيداً عن العموميات التي شابت معظم الخطط والدراسات في هذا القطاع، لم تحقق الدولة إجماعاً حول توحيد المفاهيم، وتحديد المرجعيات، واستخلاص الدراسات، واعتماد مبادئ وتطبيقات أساسية محددة.
يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على بعض تلك الأسباب الإضافية التي حالت دون نجاح مهمة الدولة في خططها الطاقوية، وذلك من خلال عرض وتحليل مجموعة من الأسئلة والتفسيرات والتوضيحات لم تتم معالجتها مسبقاً، وتحديداً:
أ-غياب الإستراتيجيا التي تسبق الخطط.
إن الإعداد العلمي التخطيطي، من مرحلة تسلسلية إلى أخرى، يقتضي أن يتم وفق الترتيب الآتي:
-الأهداف (Objectives)، أي ما نريد أن نحقق أو نسعى وراءه أو نتفاداه.
-الإستراتيجيا (ٍStrategy)، أي التصرف لتحقيق تلك الأهداف المرجوة.
-الخطط (Plans) التي يجب أن تسبقها إستراتيجيا، إذ لا خطط ناجحة بدون استراتيجيا، فالإستراتيجيا الإستباقية السليمة تبدأ بإمتلاك الهدف الصحيح.
قال هنري مينتزبيرغ، الكاتب والأكاديمي الكندي: “الإستراتيجيا ليست نتيجة التخطيط، بل العكس: نقطة البداية له”.
ومن نافل القول، أن المجتمعات الحديثة يجب أن تسعى لوضع وإقرار الإستراتيجيات الفضلى في كل قطاع خاص أو عــام، وذلك ضمن إمكاناتها المتوفرة من قدرات فنية وتقنية، وتسهيلات مالية وخلافه.
من معاينة لعديد الخطط، التي تناولت قطاع الكهرباء في لبنان، نسجل غياباً ملحوظاً للإستراتيجيا الإستباقية المفترض أن تكون مدروسة مسبقاً، مقررة ومعتمدة من المرجع التنفيذي أو التشريعي الصالح، كل ضمن صلاحياته. فالخطط، كما بدت، وضعت بمعزل عن أية إستراتيجيا، الأمر الذي فرض تعددها وتباين توجهاتها، وبالتالي فشلها.
وفي الآتي أمثلة تؤيد ذلك.
ب-الشراكة الثلاثية
التوّجه العالمي الجديد، ينطلق من مبدأ المشاركة بين القطاعين العــام والخاص، كالآتي:

في هذه الثلاثية ، أو “الشراكة الثلاثية”، يحدد في كل قطاع، دور كل من الأفرقاء الثلاثة:
-القطاع العـــام ودوره في وضع وإقرار استراتيجيا تشكل سياسة وطنية إلزاميّة ومستمرّة لفترة محددة، وتلتزم بها الخطط والقوانين والمراسيم وفق البيان (أ) أعلاه.
-القطاع الخاص (وبعض القطاع العام) كمسؤول عن التمويل والإنشاء والتجهيز والتشغيل والصيانة في القطاع المعني.
-الهيئة الناظمة للقطاع – كهيئة معنوية مستقلة وشفاّفة – مسؤولة عن التنظيم والترخيص والرقابة وضمان تطبيق سياسة الدولة في ما خصّ هذا القطاع. وبالتالي حصر “مرجعية القطاع” في هذه الهيئة.
في فترة من الصحوة الحكومية، حيث أبدت الحكومة اللبنانية بتشجيع من البنك الدولي، إهتماماً بمشاركة القطاع الخاص، تم إقرار وتصديق “قانون “تنظيم قطاع الكهرباء” (رقم 462 تاريخ 2\9\2002)، لا سيما تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، والتوافق على الأدوار المحددة في القانون لكل من الدولة والقطاع الخاص والهيئة الناظمة”.
لكن هذا الصحوة الموعودة لم تستمر طويلاً، فقد جمدت الحكومات المتعاقبة تطبيق هذا القانون متذرعة بأسباب شتى، وامتنعت عن تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، وأعادت العمل بالقانون الذي صدر بالمرسوم رقم 16878، تاريخ 10 تموز (يوليو) 1964، والذي أنشأ مؤسسة كهرباء لبنان بهيكلية عمودية احتكارية لوظائف القطاع الثلاث.
ت- الخصخصة، أو مشاركة القطاع الخاص.
الخصخصة، أو مشاركة القطاع الخاص يمكن أن تتخذ أشكالاً وأنواعاً تختلف من قطاع إلى قطاع ومن بلد إلى آخر، وترتبط بحجم ومدى الرغبة في إشراك وتمليك القطاع الخاص منشآت وتجهيزات تعود ملكيتها للقطاع العام، كما تأخذ المنافسة ضمنها ابعاداً محصورة أو منفتحة.
في وظائف قطاع الكهرباء الثلاث (الإنتاج والنقل والتوزيع):
تتميز وظيفة الإنتاج بطبيعتها التنافسية، التي تسمح للقطاع الخاص ببناء وتجهيز معامل إنتاج الطاقة، وتملكها وبيعها للطرف المستهلك في سوق حرة تنافسية.
كما تتميز وظيفتي النقل والتوزيع بطبيعتها الإحتكارية التي تسمح للقطاع الخاص بإدارة هاتين الوظيفتين دون ملكيتهما، وإن بطرق مختلفة (إدارة، إمتياز…).
في قانون تنظيم قطاع الكهرباء (رقم 462) لحظت آلية لمشاركة القطاع الخاص تباينت حولها الآراء وتعددت المفاهيم، فخلت الخطط الموضوعة من آلية موحدة وواضحة لمشاركة القطاع الخاص في قطاع الكهرباء.
ث-الوقود المعتمد في معامل الإنتاج الحراري.
يمتاز الغاز الطبيعي، ومن بعده الغاز المسال، بكونهما يشكلان افضل أنواع الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة الكهربائية.
وبالرغم من كون معامل الإنتاج التي أنشئت أخيراً (الزهراني، دير عمار وغيرهما)، وربما تلك الملحوظة مستقبلاً، هي مصممة بطريقة الدارة المشتركة (Combined Cycle)، حيث الأولولية للغاز الطبيعي المسال كوقود.
وبالرغم من أن خطة وزارة الطاقة الأخيرة قد أفردت للغاز الطبيعي، أقله، ثلثي كمية الوقود المستهلك في معامل الإنتاج، وبالرغم من الدراسات والتشريعات بهذا الخصوص، ومنها قرار إشراك القطاع الخاص بتصميم وبناء محطات الغاز الطبيعي المسال (قانون رقم 549 تاريخ 20\10\2003،لم تتم أية خطوات عملية باتجاه تلزيم وتنفيذ البنى التحتية اللازمة لهذا الغرض.
ج-تطوير وتنمية الطاقات المتجددة والجديدة وكفاءة الطاقة.
شغل التغير المناخي، مؤخراً، الرأي العام العالمي، وفتح الأفق على أهمية تطوير وتنمية الطاقات المتجددة والجديدة وكفاءة الطاقة، وبالتالي تشجيع أفراد ومستثمرين على إنتاج الطاقات النظيفة هذه.
وللمرة الأولى، لحظت، الخطة الأخيرة لوزارة الطاقة، إلتزاماً رسمياً بالعمل على تطوير قدرات الطاقات المتجددة للوصول بها إلى نسبة 12 بالمئة من مجموع القدرات الطاقوية بحلول العام 2020، بالإضافة إلى السماح لمن يرغب، أفراداً ومؤسسات، بإنتاج الطاقات المتجددة لحاجتها الذاتية وبيع الفائض لمؤسسة كهرباء لبنان، وإجراء المقاصة (Net metering).
هي نقلة نوعية دون شك، لكنها غير كافية، والمطلوب بإلحاح تحديث التشريع المتعلق:
1-بالطاقات المتجددة، وتحديداً ما سمى بـ”قانون التغذية” (Feed-in-law) الخاص بها والمعتمد بنجاح في عشرات الدول، والذي يعطي الأفضلية للإنتاج المتجدد المتعدد وسعر مريح ومشجع للمستثمر في هذه الأنواع من الطاقات النظيفة.
2-بكفاءة الطاقة، وتحديداً ما سمي بقانون (كفاءة الطاقة EE- law)، والذي يركز على وجوب ترشيد إستهلاك الطاقة وضبط هدرها.
3-بالتحول من دعم الطاقة التقليدية تدريجاً إلى دعم الطاقات المتجددة.
ح-بنية متحركة للتعرفات الكهربائية.
تتميز تعرفات الطاقة الكهربائية في لبنان بكونها تعرفات إجتماعية مدعومة وموحدة على جميع الأراضي اللبنانية، أدنى بكثير من مجمل كلفة الإنتاج والنقل والتوزيع الفعلية.
وحيث أنه من غير الجائز أن تتحمل مؤسسة كهرباء لبنان عبء الخسارة الناجمة عن تلك الفروقات، فإن تحقيق عملية إصلاح وتطوير القطاع الكهربائي يتطلب إيجاد بنية متحركة ومتوازنة للتعرفات، خصوصا في حال تأمين تغذية 24\24 ساعة في اليوم.
خ-الترابط العضوي بين مختلف أنواع الطاقة.
تحتل الطاقة الكهربائية موقعاً مميزاً بين انواع الطاقة المختلفة. وهناك ترابط عضوي بينها وبين سائر أنواع الطاقة، الأمر الذي يتطلب إبراز وتجسيد هذا الترابط على المستويات كافة، لا سيما الإداري والمالي.
من هنا السعي المطلوب لتعديل قانون “تنظيم قطاع الكهرباء،رقم 462\2002″، واستبداله بقانون “تنظيم قطاع الطاقة”، كما تعديل مهام “الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء” واستبدالها بـ”الهيئة الناظمة لقطاع الطاقة” .
في هذا المقال، ركـّـزنا على عرض وتحليل العديد من النقاط الاستراتيجية التي أدى تجاهلها إلى فشل خطط وأنشطة القطاع العام في وضع قطاع الكهرباء في لبنان على السكة الصحيحة، وحاولنا، ما أمكن، إقتراح سبل المعالجة، التي، من وجهة نظرنا، لا بد أن تساهم في إصلاح هذا القطاع الهام والأساسي في مسيرة الإعمار والإنماء.
لم نحاول الغوص في التفاصيل ولا تغطية كافة العناصر الإستراتيجية المؤثرة لضيق المجال، بل كانت الغاية لفت النظر إلى بعض أهم أسباب فشل الخطط الموضوعة.

* أستاذ محاضر في الجامعة الأميركية في بيروت

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر موقع greenarea.me

Pin It on Pinterest

Share This