مايا نادر

تشكّل مياه البحر نحو 97 في المئة من موارد المياه في العالم، وتمثل المياه العذبة النسبة الباقية، أي نحو 3 بالمئة تقريباً، ويوجد نحو 69 بالمئة من المياه العذبة في جليد القطبين الشمالي والجنوبي، ونحو 30 بالمئة مياه جوفية تحت سطح الأرض، وأقل من واحد بالمئة في الأنهار والبحيرات.
تقدر كمّية المياه العذبة المتاحة للاستغلال في العالم بنحو 7000 كيلومتر مكعب، تكفي لسد احتياجات سكان العالم لعقود مقبلة، الا ان عدم تكافؤ توزيع السكان في العالم والمياه الصالحة للاستخدام يؤدي الى تفاوت نسبة المياه المتوافرة محلياً بشكل كبير.

توقّعات

اليوم العالمي للمكياه 2

الارقام المذكورة تمثل كميات متعارف عليها جغرافياً وتاريخياً، الا ان مشكلة التغير المناخي بدأت ترخي بظلالها على مياه الشفة المتوفرة، وفي حين نحو 41 بالمئة من سكان العالم يعيشون في مناطق شح مائي، توقع البنك الدولي أن ترتفع هذه النسبة بحلول سنة 2025 نتيجة الزيادة السكانية إلى 48 بالمئة، وأن يكون 90 بالمئة من كل المياه العذبة المتوافرة قد استُهلك، وأن يعاني نحو 3 بلايين (مليار) شخص في 48 بلداً من نقص المياه في العام نفسه، و4 بلايين شخص عام 2050.
وقد أشار تقييم أجرته الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) عام 2007 إلى أنه، بسبب تغير المناخ، سوف ينخفض توافر المياه العذبة بنسبة 10 إلى 30 بالمئة في المناطق القاحلة، التي يعاني بعضها حالياً من إجهاد مائي. كذلك، يتوقع أن تنخفض الإمدادات المائية المخزنة في الأنهار الجليدية، ما يخفض توافر المياه في المناطق التي يقيم فيها حالياً أكثر من سدس سكان العالم.
في آسيا، على سبيل المثال، يتوقع أن تنخفض المحاصيل الزراعية بنسبة 2.5 إلى 10 بالمئة بحلول سنة 2020، وقد يتعرض 132 مليون شخصا في المنطقة لخطر حدوث مجاعة مفرطة بحلول سنة 2050.
باتت الوقائع واضحة في هذا المجال، فمع ارتفاع عدد سكان العالم ثلاث مرات، ارتفعت نسبة استهلاك المياه لحوالي ستة اضعاف، وبات 1.2 بليون شخص في العالم يفتقرون اليوم إلى مياه مأمونة، فضلاً عن موت 1.8 مليون سنوياً بسبب المياه غير المأمونة، ويتعدى عدد الذين يعانون الجوع وسوء التغذية البليون.

البلدان العربية في طليعة الدول المتضررة

اليوم العالمي للمياخ 4

تقع البلدان العربية في أكثر المناطق جفافاً في العالم، وجميعها مهدّدة بندرة حادة في المياه نتيجة الهدر والتلوث وتغير المناخ. وصنّف تقرير للبنك الدولي (2007) المنطقة العربية في المرتبة الأخيرة من حيث توافر المياه العذبة المتجددة للفرد مقارنة مع مناطق أخرى في العالم.
وقد أدى النمو السكاني والطلب المرتبط به على المياه إلى تخفيض الإمداد لكل فرد إلى ربع ما كان عليه عام 1960. ويفتقر أكثر من 45 مليون شخص في العالم العربي إلى مياه نظيفة أو خدمات صحية مأمونة. ومن المتوقع أن يتفاقم الوضع مع ارتفاع معدل النمو الاقتصادي وتغير المناخ والازدياد السكاني خلال العقدين المقبلين. وسيحدث 90 في المئة من الازدياد السكاني في مناطق مُدنية، ما سوف يزيد الضغط السياسي لتلبية الطلب على المياه خصوصاً للاستعمال المنزلي والصناعي.
وهناك 13 بلداً عربياً بين البلدان التسعة عشر الأكثر شحاً بالمياه في العالم، وفق تقرير المنتدى العربي للبيئة والتنمية «أفد» عام 2010. والواقع أن موارد المياه العذبة المتجددة الداخلية للفرد في معظم البلدان العربية هي أدنى كثيراً من مستوى الشح المائي البالغ 1000 متر مكعب سنوياً، مقارنة مع معدل عالمي يتجاوز 6000 متر مكعب. وتوافر المياه للفرد في 8 بلدان عربية، منها الأردن وفلسطين واليمن، هو أدنى من 200 متر مكعب سنوياً، بينما يبلغ معدل استهلاك المياه اليومي في بلدان مجلس التعاون الخليجي للفرد 300 إلى 750 ليتراً، وهو الأعلى في العالم. وبحلول سنة2025، يتوقع أن يكون السودان والعراق وحدهما فوق مستوى الشح المائي.

الامراض في المرصاد

تحدثت الدراسات عن 650 مليون شخص، أي عشر سكان العالم لا يحصلون على مياه آمنة، وهو ما يعرضهم لأمراض معدية وموت مبكر. ووفق تقديرات الأمم المتحدة يمكن للمياه القذرة وسوء نظم الصرف أن تصيب الأطفال بإسهال شديد، وتقتل 900 طفل تحت سن الخامسة يوميا على مستوى العالم، أي طفل كل دقيقتين. وتقول منظمة الصحة العالمية إن العدوى التي تحدث بين المواليد نتيجة لنقص المياه الآمنة والبيئة النظيفة تتسبب في حالة وفاة كل دقيقة في مكان ما من العالم.
في المقابل، تتحدث الأمم المتحدة عن إن توفير مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف الصحي أساسي لصحة الإنسان. وهي مهمة أيضا لمزايا واضحة أخرى منها توفير المال والوقت وعناصر ملموسة أكثر، مثل سهولة ورغد العيش والكرامة والخصوصية والسلامة. وتقدر المنظمة أن الاستثمار بدولار واحد في تحسين موارد المياه وخدمات الصرف الصحي سيعود بمكاسب تتفاوت ما بين 4 و11 دولارا، وأن ذلك يعتمد على أسلوب التدخل.

ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة التبخر

علمياً، لا تبدو المستويات المتوقعة لارتفاع درجة الحرارة العالمية، من درجتين إلى أربع درجات مئوية سنوياً بحلول العام 2100، أمراً هائلاً. ولكن تأثير ارتفاع درجة الحرارة سوف يتضخم في دورة المياه وفقاً لعدد من الطرق. فمتوسط درجة حرارة الأرض (15 درجة مئوية) يتيح التواجد المشترك لأشكال مختلفة من المياه، أي الجليد الصلب، أو السائل، أو البخار. أما الطاقة الإضافية التي تسبب ارتفاع درجة الحرارة الآن سوف تخل بذلك التوازن.
سوف تصبح أحداث الطقس، كالأعاصير الاستوائية، أكثر تكراراً بينما من المتوقع أن يصبح هطول الأمطار اشد غزارة، رغم أن بعض الأماكن سوف تتلقى معدل أمطار أقل. ومن المحتمل ان تصبح الفيضانات في المستقبل أوسع نطاقا، وأشد تدميراً، وأكثر تكراراً مما هي عليه اليوم.
ومع ارتفاع درجات الحرارة سوف يزداد التبخر. فإذا تجاوز التبخر كميات الأمطار الهاطلة سوف تصبح الأرض أكثر جفافاً. وفي المناطق القاحلة، سوف تمتص الأرض الجافة كميات أكبر من مياه الأمطار بدلاً من أن تنساب هذه الأمطار لتغذية الجداول والأنهار. وسوف تمتص التربة الأكثر جفافاً المياه وهي تتسرّب نحو الأسفل، الأمر الذي يقلل من إعادة تغذية الطبقات المائية الجوفية، أي المخازن الطبيعية للمياه تحت الأرض، ومن تدفق مياه الينابيع الطبيعية التي تغذيها.
التغيّرات في الغطاء النباتي في مناخ أكثر سخونة سوف تحول مياه الأمطار عن الأنهار وعن الطبقات المائية الجوفية الحيوية الأخرى. فنقصان المياه من التربة (خسارة المياه الإجمالية من التربة، بما في ذلك التبخّر المباشر من الأرض وتبخر الرطوبة من أوراق الأشجار ومن الأسطح النباتية الأخرى)، ومن الغطاء النباتي الأكثر كثافة والأكثر غزارة قد يسحب كمية أكبر من المياه من التربة ويطلقها في الجو.

القضية على طاولة البحث

التأثيرات السلبية لتغير المناخ على ندرة المياه شكّلت في السنوات القليلة الماضية مادة بحث قوية في اجتماعات تغير المناخ، وقد وافق الجميع تقريباً في المؤتمر الخامس عشر للشركاء في اتفاقية تغير المناخ 15 (COP-15) الذي عقد في كوبنهاغن في كانون الأول (ديسمبر) 2009 على مسألة واحدة: وهي أنه سوف يتم الشعور بتأثيرات تغيّر المناخ من خلال المياه.
وفي التفاصيل، ، عرض المضيفون الدانمركيون خلال حفل الافتتاح فيلم فيديو مؤثر يظهر فتاة شابة تعاني بعض تأثيرات تغيّر المناخ، مثل: الفيضانات، وذوبان الأنهار الجليدية، والأعاصير، والجفاف. واسترجع إيفو دي بوير، السكرتير التنفيذي لمعاهدة الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، بتأثر الشهادة التي أدلى بها نيي لاي، وهو صبي في السادسة من عمره فقد والديه وشقيقه الأصغر بعد أن جرفتهم مياه إعصار مدمر ضرب بورما في أيار (مايو) 2008.
كما حذّر راجيندرا باشوري، رئيس اللجنة الدولية للتغيرات المناخية التابعة للأمم المتحدة (IPCC) من أنه من المتوقع أن يتعرض “في أفريقيا، بحلول العام 2010، ما بين 75 و250 مليون فرد لإجهاد المياه بسبب تغيّر المناخ، وأنه من المحتمل أن ينخفض الإنتاج الزراعي المعتمد على مياه الأمطار في بعض الدول في تلك القارة بنسبة تصل إلى 50 بالمئة”.
كما لخص الأمين ذلك العام للأمم المتحدة بان كي مون الحدث بقوله: “الأدلة تهاجمنا: ذوبان القمم الجليدية القطبية، وزحف الصحاري، وارتفاع مستويات مياه البحر”.
تلك المؤشرات التي تم البحث بها عام 2009 ما زال صداها يتردّد الى يومنا هذا، فالوقائع هي نفسها، وبالتالي النمتائج اصبحت اكثر كارثية .
وكما كانت الرسالة واضحة في حينها، ما زالت حتى اليوم ومفادها : ان العالم سوف يختبر نتائج تغيّر المناخ من خلال المياه . وبالتالي فان طريقة ادارة الدول لتلك المياه هي الاساس في مكافحة هذا التغير المناخي .
في اليوم العالمي للمياه، هناك إجماع في الرأي بارز بين مدراء وخبراء المياه يفيد بأنه بينما لا نستطيع اليوم توقع تأثيرات المناخ التي سوف تحصل خلال القرن التالي، فإننا متأكدون بأن العديد من هذه التأثيرات سوف تمر من خلال الدورة المائية. ولذلك يتعين أن تدار إدارة المياه على أفضل وجعل أنظمة المياه أكثر صموداً.
الشبكة دولية التي تضم أفراداً ومنظمات يعملون على تحسين إدارة الموارد المائية، أوجزت المسألة بالقول “ان الإدارة الأفضل للمياه اليوم سوف تبني عالماً أكثر صموداً غداً. يجب اعتبار استثمارات اليوم في أمن المياه كجزء واضح من استراتيجية التكيف الطويلة الأمد”.

Pin It on Pinterest

Share This