سوزان أبو سعيد ضو

نعم إنه الموت! والموت نهاية طبيعية لكل كائن حي، حتى وإن كنا نحاول تجاهل هذه الفكرة، بسوداويتها وما يرافقها من قلق وجودي، وأسئلة قد تبدو في أحيان كثيرة عصية على الأجوبة، حيرت وما تزال العلماء تاريخيا، في بحثهم المستمر عن “إكسير الحياة” أو ما يعرف بـ “حجر الفلاسفة” lapis philosophorum، ومن هنا آثر greenarea.me، تقديم مقاربة مختلفة للموت، ومن ناحية بيئية، وبعيدا من الموروث الديني والثقافي، بعد أن وجدنا مبادرات من رواد يبتكرون طرقا في تحويل الموت إلى حياة، ما يضمن “موتا أخضر” واستدامة للبيئة وتخلصا من التلوث في آن.

وداعا للكفن

من هذه الأفكار المبتكرة، تحويل الموت استمرارية للحياة، وفكرة العودة، ولو بصورة أخرى، تشكل فكرة أكثر إيجابية من الفناء الكلي، وهذا ما دفع المصممان الإيطاليان أنا تشيتلي Anna Citelli، وراؤول برتزل Raoul Bretzel إلى تصميم ما أسمياه مشروع “كبسولة موندي” The Capsula Mundi project أو حاضن الدفن العضوي Organic Burial Pods، و Capsula Mundi تعني باللاتينية، تحول الجسد بين المواد الثلاث التي تكون العالم، وهي الحيوان والنبات والمعدن.

وبعد أن يتم وضع الجسد في وضعية الجنين يغلف بمادة بلاستيكية صديقة للبيئة، تتحلل في التربة، وبعد أن يدفن الجسد في الأرض توضع بذرة شجرة، أو تزرع شجرة فوق الجسد، ليتحلل عضويا ويحول الجسم الميت إلى مواد غذائية لشجرة سوف تنمو من رفاة الجسد المتحلل، وعلى موقع هذا المشروع على الإنترنت لائحة من الأشجار المناسبة لكل بيئة لاختيارها، وهنا يشير المصممان إلى عدة فوائد في مجال دفن الموتى بهذه الطريقة:

أولا: بدلا من وجود مقبرة بشواهد قبور، يمكن بهذه الطريقة أن تتحول المنطقة إلى حديقة عامة مليئة بالأشجار، أو إلى غابة مقدسة، تساهم في حماية البيئة.

ثانيا: بدلا من قطع الأخشاب لصنع التوابيت، فإنه فضلا عن التكلفة الإقتصادية، فإن الميت “ينقذ” شجرة أو أشجارا، ويساهم في زراعة شجرة إضافية، والمحافظة على البيئة.

ثالثا: من يزور “القبر – الشجرة” لن يذكر المتوفي فحسب، بل سينعم بظل ونسيم شجرة الميت.

هذا ولن تزود الشجرة ببطاقة تشير الى اسم المتوفي، بل ستكون موجودة على جهاز تحديد المواقع GPS، فضلا عن إمكانية توسيع نطاق الدفن ليشمل الحيوانات المنزلية الأليفة في المستقبل.

إلا أن الحكومة الإيطالية لا زالت غير موافقة على هذه الأسلوب في الدفن، إلا أنه تم “زرع” العديد من الموتى بهذه الطريقة في الولايات المتحدة وكندا.

الشعاب المرجانية الخالدة

Eternal-Reefs2
Eternal-Reefs1

بدأت فكرة الشعاب المرجانية الخالدة Eternal Reefs في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، بين زميلي سكن في “جامعة جورجيا”، وكانا غالبا ما يذهبان خلال العطل للغوص قبالة شاطئ “فلوريدا كيز” Florida Keys، وعلى مدى سنوات من الغوص، شهدا تدهورا كبيرا للشعاب المرجانية، وأدرك دون براولي Don Brawley، مؤسس الشعاب الخالدة، أن الشعاب بحاجة الى مساعدة، واتخذ قرارا بالقيام بأمر ما وبأسرع وقت ممكن.

وبعد تخرجهما من الجامعة، بدأ وصديقه تود باربر Todd Barber بالإنتقال من الحديث عن إنقاذ الشعاب المرجانية إلى العمل، وحول ما يمكنهما المساهمة به في حماية وإنقاذ هذه النظم الإيكولوجية الهشة، من جهة ابتكار مواد ونظام يكون شبيها بالبيئة البحرية الطبيعية التي تدعم الشعاب المرجانية والكائنات الحية الدقيقة فيها، وبالتالي قام الصديقان بابتكار فكرة “كرة الشعاب المرجانية” لإعادة تأهيل وبناء الشعاب المحتضرة وإضافة مواطن جديدة للبيئة البحرية.

وتجلى التحدي في مجالين، أولهما الثبات وهو أساسي لهذه الكائنات الحية، ليس لامتصاص طاقة التيارات فحسب، بل تشتيتها بدون أن تتحرك، وخصوصا في مواجهة العواصف الكبيرة والطاقة الكبيرة الناتجة عنها، والثاني نوع المادة المستعملة، بحيث تكون صديقة للبيئة، وتشابه البيئة الأصلية في خواصها، وتم اختيار مادة طبيعية، وبتصميم مشابه للبيئة الخاصة بهذه الشعاب.

وفي العام 1992 تم تأسيس “مجموعة تطوير كرة الشعاب المرجانية”Reef Ball Development Group، ومؤسسة كرة الشعاب المرجانيةReef Ball Foundation، في فلوريدا، ومنذ ذلك الوقت، وصل عدد المشاريع الى أكثر من 4000 مشروع في 70 بلدا، مع ما يزيد عن 700 ألف كرة شعاب مرجانية، وأصبحت هذه الكرات نماذج قياسية على مستوى العالم لبرامج مصائد الأسماك، واستعادة الشعاب المرجانية، ومشاريع تنمية الموائل.

أما فكرة الشعاب المرجانية الخالدة، فأتت في العام 1998 بعد أن أبدى والد زوجة براولي Carleton Glen Palmer رغبته، بأن تدفن بقايا رفاته المحروقة في الشعاب المرجانية، وتوفي بعد وقت قصير من إبداء رغبته تلك، وقال براولي “لم أتذكر حديثنا، إلا عندما وضعت بقايا رفاته بين يدي، فسارعت إلى مزج رفاته مع المواد الإسمنتية المستعملة في بناء كرة الشعاب المرجانية، وعندها بدأت فكرة الشعاب المرجانية الخالدة”.

وسرعان ما سمع الناس عن الشعاب الخالدة، لتصبح خيارا لكثير من قدامى المحاربين، ناشطي البيئة، الصيادين، البحارة، الغواصين والناس العاديين، بالرغبة بأن يحيط بمثواهم الأخير هذه البيئة الحيوية المتنوعة والفريدة.

ونتذكر قول الشاعر العربي الكبير المتنبي “لا يعجبن مضيماً حسن بزته… فهل يروق دفيناً جودة الكفن؟”، ولكن تبقى ثمة خيارات موجودة، باختيار أحد الأساليب السابقة، كونها تساهم في ترك ذكرى طيبة ومستدامة.

 

 

Pin It on Pinterest

Share This