سوزان أبو سعيد ضو

تتأثر عملية التعلم وتلقي المعرفة بعوامل عدة، وتتخذ مجالات لا حصر لها، خصوصا في عصرنا الحالي، مع كمّ المعلومات التي يتم ضخها عبر وسائل التعليم المنهجي، فضلا عن وسائل مستحدثة كالإعلام المرئي والمسموع والتعلم الرقمي.

ورغم أن عملية التعلم عملية مستمرة، إلا أنها تخضع للإنتقائية في المصادر، وتأثيرها الهام على سلوكيات الفرد وبنية واتجاه تفكيره وبالتالي على دوره في المجتمع.

واختلف الباحثون في طبيعة وكيفية وماهية التعلم، فضلا عن العوامل المساهمة والمؤدية إليه، بالإضافة إلى تنوع النظريات، وقد تباينت المدارس بين المدارس الوراثية والبيئية وعلم النفس والفيزيولوجيا حول الشروط والمؤثرات والمصادر التي تؤدي الى التعلم والمعرفة، ولعل أكثرها شهرة ما ساقه عالم الفيزيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) الروسي إيفان بافلوف والتي أصبحت إحدى أهم النظريات في تفسير عملية التعلم، وهي محور هذا المقال.

إلا أنه وقبل البدء بشرح النظرية، فإن هناك ثمة عوامل تساهم في عملية التعلم، فهناك الدافع النفسي والبيئي، ذلك أن وجود البيئة الصحية والنفسية المناسبة لطالب العلم لا تساعد على سرعة الاستيعاب فحسب، بل تزيد من قدرته على التحصيل والتفاعل والتنظيم، وهناك دافع المكافأة، ودافع التدريب لجهة التوصل إلى أخطاء أقل، كما يلعب المدرس والموجه دورا أساسيا في عملية التعلم، ويساهم حديثا الذكاء الصناعي أي الكمبيوتر وملحقاته من إنترنت وغيرها في توجيه وتطوير عملية التعلم.

ivan-pavlovs-dog1

نظريات التعلم

هناك عدة نظريات للتعلم، وهي تقسم إلى قسمين، القسم الأول هو النظريات الترابطية، وهي تتمحور حول أن عملية التعلم تتلخص في تقوية الروابط بين المثيرات والاستجابات، وهي ثلاثة أقسام: التعلم الشرطي، التعلم الشرطي الوسيلي والتعلم بالمحاولة والخطأ، أما القسم الثاني، فهي النظرية القشتالية، وهي تتمحور حول كون عملية التعلم عملية فهم وتبصير واستبصار قبل كل شيء.

ونبحث هنا بشكل خاص في نظرية بافلوف، وهي تعد من النظريات الأشهر في التعلم، وتندرج ضمن النظريات الترابطية وبالتحديد نظرية التعلم الشرطي.

وضع بافلوف نظريته التي تندرج ضمن علم النفس وفلسفة السلوك، واصفا عملية التعلم عن طريق ما يُعرف بالمثير والاستجابة باعتماده على دراسته في علم الفيزيولوجيا وعلى عمليات الإقتران المتكرر للمثير المحايد مع عملية التحفيز القوية، وأصبحت نظرية الاشراط الكلاسيكي أساس مدرسة السلوكية، وهي مدرسة علم النفس التي كانت مهيمنة في منتصف القرن العشرين، ولا يزال لها تأثير هام على ممارسة العلاج النفسي ودراسة سلوك الحيوان (علم السلوك)، وتعتبر مدرسة الاشراط الكلاسيكي الآن من أكثر نظريات التعلم الأساسية دراسة ومناقشة، وبدأ استيعاب ركائزها العصبية مؤخرا بشكل أكبر.

فقد لاحظ بافلوف أثناء إحدى تجاربه على الكلاب أن توفير عنصر مثير يصاحب تقديم الطعام كرؤية الوعاء الذي يوضع فيه الطعام أو صوت هذا الوعاء، تحدث إسالة اللعاب، وقد لفتت هذه الظاهرة فضول بافلوف العلمي، فحاول أن يدرس مدى استجابة الحيوان لمثير صناعي (كصوت جرس) مصاحب للعامل المثير الأصلي، وهو تقديم الطعام وقد استنتج بافلوف من تجربته أنه إذا اشترطت استجابة معينة بمثير (سمعي في هذه الحالة) تصاحب المثير الأصلي (الطعام) وتكررت هذه العملية، وقمنا بالتالي بإزالة المثير الأصلي وقدمنا المثير المصاحب وحده فإن الاستجابة الشرطية تحدث (وهي سيلان اللعاب).

 

الاستجابة الشرطية

قام بافلوف بتفسير حدوث عملية التعلم كنتيجة لنوع من الارتباط بين المثير والاستجابة، ولكن الارتباط هنا لا يحدث بين المثير والاستجابة الشرطية، ويفسر بافلوف حدوث هذا النوع من الارتباط الى أسس فيزيولوجية بحتة، وجعل هذا الارتباط من وظائف المخ، بناء على القاعدة الفيزيولوجية التي اعتمدها في التفسير، وبنى بافلوف نظريته على بعض القواعد ومنها:

أولا: التكرار، فتكرار المواقف والظروف المحيطة تعتبر عاملا أساسيا لتكوُّن الرباط الشرطي وتعلم الاستجابة الشرطية.

ثانيا: عامل الزمن، فقد دلت التجارب على ان الاستجابة الشرطية يمكن ان تحدث اذا جاء المثير الاصلي (غير الشرطي) بعد المثير الشرطي، ودلت على ان عمليات التعلم الشرطي تتم اذا كانت هذه الفترة بين 0،4 و0،5 من الثانية، أما اذا زادت عن هذه الفترة فإن عملية الارتباط الشرطي تتأخر، أما إذا حدث العكس وتقدم المثير غير الشرطي المثير الجديد فإن الارتباط لن يحدث، لان المثير غير الشرطي لن يكون موجودا.

ثالثا: التعزيز أو التدعيم، إن العامل الحاسم في التعلم الشرطى هو التعزيز، فلكي يصبح الجرس قادرا على استدعاء إفراز اللعاب، لا بد من أن يقدم الطعام للكلب اثر سماعه لصوت الجرس.

رابعا: التعميم، أي أن المثير المشابه للمثير الاصلى (صوت الجرس) يستدعي نفس الاستجابة الشرطية مثل النغمات في صوت الجرس.

خامسا: التمييز، وهو الاستجابة لمثير محدد دون غيره، كأن يستجيب الكلب لصوت الجرس دون غيره من أصوات قريبة من صوت الجرس. واستطاع بافلوف باستخدام هذا العامل توضيح أن الجهاز العصبي قادر وحساس للتمييز والاستجابة للمثيرات المختلفة، فقد استعمل جرسين، فكانت الإستجابة لجرس الطعام بسيلان اللعاب، بالمقابل لم تتم الإستجابة للجرس الآخر.

سادسا: الاسترجاع التلقائي والتضاؤل (الإنطفاء)، بين بافلوف أن هذه العملية ليست عملية مطلقة بل تخضع لعدة عوامل، فالعادات القوية تكون اكثر مقاومة من العادات الضعيفة وتكون عملية الاسترجاع (استعادة العادة)، من عوامل تكيف الكائن الحي مع البيئة المرافقة للمواقف المرافقة للمثير، فقد لاحظ بافلوف، أن استجابة الكلاب بعد أيام للحافز، وبدون تقديم الطعام، أدى إلى توقف الكلاب وبشكل تلقائي عن سيلان اللعاب.

 

تطبيقات التعلم الاشراطي

يتم توليد الكثير من المخاوف البشرية بنفس الطريقة التي اعتمدها بافلوف، وبالأخص في مرحلة الطفولة، وأكبر دليل على هذه المخاوف يتم اشتراطها باقترانها بمثير معين، وبالتالي تتم معالجتها من خلال أساليب تعتمد على مبادئ الاشراط الكلاسيكي، كما تعتبر عمليتا التعميم والتمييز من العمليات الهامة التي يمكن الاستفادة منها في تفسير كثير من مظاهر التعلم الانساني كما يمكن تطبيقها مثلا في غرفة الدراسة بعدة طرق، ومنها، ضرورة حصر مشتتات الانتباه، ربط تعلم التلاميذ بدوافعهم من جهة وتعزيز العمل التعليمي من جهة اخرى، فضلا عن أن تجارب بافلوف لم تكن تصل إلى النتائج المتوقعة منها الإ في الحالات التي كان الكلب فيها جائعا، وهذا القول نفسه ينطبق على عملية التعلم في المدرسة والتي يستلزم قيام المتعلم بالسلوك المعين ولن يقوم به الا تحت تأثير دافع حقيقي وقد يكون هذا الدافع الإنجاز أو المناقشة أو اشباع الميول، كما يمكن الاستفاده من افكار بافلوف عند انطفاء الاستجابة، في إبطال العادات السيئة والسلوكية غير المرغوبة التي تظهر عند التلاميذ اثناء القراءه أو الكتابة أو غير ذلك.

ينشر بالتزامن مع موقع روسيا الآن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Pin It on Pinterest

Share This