سوزان أبو سعيد ضو

تناولنا في موضوع سابق على موقعنا greenarea.me استخدامات عديدة هامة للطحالب في مجالات الإضاءة والتدفئة والتغذية وخلافها، إلا أن خبراء أميركيين قاموا باستخدامها من أجل معالجة بعض حالات فقدان النظر، وإذا ما سارت الأمور وفقا للخطة المقررة من قبلهم، فإن الشهر القادم سيشهد أول عملية إعادة نظر لمن فقدوا بصرهم، في ولاية تكساس الأميركية، حيث سيقوم جراحون بحقن فيروسات محملة بمادة جينية من الطحالب، ما قد يسمح لهؤلاء بالرؤية باللونين الأسود والأبيض.

Optogenetics

من المتوقع أن يتم هذا الاختبار البشري باستخدام علم البصريات الجيني optogenetics، وهي تقنية ترعاها شركة ناشئة تدعى RetroSense في آن أربور في ولاية ميتشيغان، وتم تطويرها في مختبرات علم الأعصاب عبر مزيج من العلاج الجيني والضوء، خصوصا لجهة دراسة الخلايا العصبية والسيطرة عليها، وتمت هذه الأبحاث في “مؤسسة الجنوب الغربي للشبكية” the Retina Foundation of the Southwest.
وتم تطوير علم البصريات الوراثي قبل عقد من السنوات في مختبرات علم الأعصاب، كوسيلة للسيطرة على نشاط الخلايا العصبية على وجه التحديد، وتعمل هذه التقنية عن طريق إصابة الخلايا بفيروس يحمل تعليمات الحمض النووي لبروتين channelrhodopsin، وهو بروتين حساس للضوء تستخدمه الطحالب لاستشعار ضوء الشمس فتتحرك نحوها، وعند إضافة هذا البروتين إلى العصب، فإنه يتسبب في اطلاق الخلايا للإشارة العصبية عند تعرضها لطول موجة معينة من الضوء.
وقد ساعدت هذه التقنية بالفعل العلماء على التقدم السريع في فهم خلايا الدماغ المسؤولة عن الحركة، والتحفيز، والألم، وغيرها من الوظائف الدماغية الأساسية لدى الحيوانات.

التهاب الشبكية الصباغي

وتشمل هذه الدراسة 15 مريضا يعانون من التهاب الشبكية الصباغي retinitis pigmentosa، وهو مرض “تنكسي” degenerative disease تموت فيه الخلايا المتخصصة المستقبلة والحساسة للضوء في العين، ما يتسبب بالإصابة بالعمى وبشكل بطيء، والهدف من العلاج هو هندسة وإعادة تركيب الحمض النووي من خلايا مختلفة في شبكية العين، تسمى “خلايا العقد العصبية” Ganglions، كي تتمكن من الاستجابة للضوء بإطلاق إشارات إلى الدماغ.
ويفقد مرضى التهاب الشبكية الصباغي أولا الرؤية المحيطية Peripheral vision، وأثناء الليل Night vision، قبل أن يفقدوا البصر تماما في نهاية المطاف، والمرشحون في هذه الدراسة لم يفقدوا البصر تماما، ولكنهم لا يستطيعون رؤية أكثر من يد تتحرك أمام وجوههم.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة RetroSense شون اينسورثSean Ainsworth انه يأمل بعد العلاج أن يتمكن المرضى “رؤية الطاولات والكراسي”، أو ربما قراءة الأحرف الكبيرة.
وكان قد تم إجراء هذه التجارب على الفئران والقرود، إلا أن هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه التقنية على البشر.
وتأسست RetroSense في عام 2009 لتسويق البحوث التي أجريت من قبل تشو هوا بان Zhuo-Hua Pan، وهو خبير في علم البصريات من جامعة ولاية واين Wayne State University، وقد أدرك هوا بان أن العين قد تكون المكان الأسهل لاستخدام علم البصريات الجيني مقارنة بالدماغ، فالعين شفافة وحساسة للضوء، ومن السهولة استعمال تقنية البصريات الجيني في علاجها، فليس هناك حاجة إلى أية أجهزة أو كابلات ألياف بصرية اضافية، بل توجيه الضوء مباشرة على شبكية العين.

العين وعملية الرؤية

وتحتوي العين على نوعين من الخلايا المستقبلة للضوء، المخاريط، Cones والإسم يعبر عن شكل هذه الخلايا المخروطي، وهي الخلايا المسؤولة عن رؤية الألوان، والخلايا على شكل قضبان Rods، وهي الخلايا التي تستجيب للضوء ليلا، وتستجيب هذه الخلايا بنوعيها للفوتونات الضوئية (الجسيمات الضوئية) photons الواردة عن طريق توليد إشارات كهربائية يتم تمريرها من خلال سلسلة من الخلايا العصبية في العصب البصري ومن ثم إلى الدماغ لتفسيرها على شكل صورة.

الآفاق والتوقعات في مجال البصر

ومن المتوقع أن يساعد العلاج على توليد 100 ألف خلية حساسة للضوء في شبكية العين على الأقل، يمكنها أن تترجم الإشارات الضوئية إلى رؤية بشكل كبير. وحتى الآن، فالتكنولوجيا التجارية الوحيدة الموجودة لاستعادة البصر وبشكل محدود للمكفوفين، هي عبر زرع جهاز كهربائي Argus II داخل الشبكية، ينقل الصورة على شكل فيديو من الكاميرا إلى صفيحة مكونة من 60 قطب داخل شبكية العين، ولكنه بالمقابل لا يوفر سوى عدد قليل من وحدات “البكسل” Pixels عن المعلومات البصرية في وقت معين.
بالمقابل فإن بروتين الطحالب لا يستجيب إلا للعنصر الأزرق من الضوء الطبيعي، ونتيجة لذلك، تتوقع RetroSense أن يستطيع المرضى رؤية أحادية للون، ربما يعالج الدماغ الصورة باللونين الأبيض والأسود.

تجربة فرنسية

والتخمينات حول ما سوف يستطيع المرضى رؤيته أو عدم رؤيته ستكون مبنية على تجارب المرضى الشخصية، وبالاستناد إلى نتائج دراسات أجرتها مجموعة من العلماء يرأسهم البروفسور جن دويبل Jens Duebel على الفئران في معهد Institut de la Vision في باريس، وأشار دويبل إلى أنه “بعد العلاج تمكنت الفئران العمياء من تحريك رؤوسها لمتابعة الصور، فضلا عن تجنب الضوء الساطع عندما وضعت في صندوق مظلم، تماما كما تستطيع الفئران السليمة القيام به”.
ويعتقد دويبل أن المرضى قد يتمكنون من الرؤية في الهواء الطلق، ولكن ليس بشكل جيد في الداخل، لأن بروتين الطحالب ليس حساسا للضوء كما في شبكية العين العادية.
ويرتبط دويبل مع شركة GenSight Biologics في باريس، وهي شركة تعمل على تطوير زوج من أجهزة العرض الصغيرة على شكل نظارات، وتحول هذه النظارات الفيديو الى اطوال موجية للضوء يمكن لشبكية العين المعدلة جينيا الإستجابة لها، وقال دويبل أنه “لا زالت التجارب السريرية للتكنولوجيا بعيدة وقد تستغرق بضع سنوات”.

المزيد من الأبحاث

يتابع العديد من الباحثين في علم الأعصاب الدراسة حول استعادة البصر عبر تقنية علم البصريات الجيني عن كثب، ويأملون في نهاية المطاف استخدام علم البصريات الجيني داخل الدماغ البشري لعلاج الأمراض العقلية الشديدة ومنها مرض الباركنسون.
وقال عالم الأعصاب والمدير العلمي لبرنامج بحوث في المعهد الوطني لتعاطي المخدرات the National Institute on Drug Abuse في بالتيمور أنتونيلو بونسي Antonello Bonci، أنه”ستكون هذه التقنية بمثابة منجم ذهب من المعلومات عند تطبيق علم البصريات الجيني في الدراسات على البشر”.
وفي إحدى التجارب، تمكن باحثون في جامعة ستانفورد برئاسة كارل دايسروث Karl Deisseroth، وهو أحد المخترعين في علم البصريات الجيني من التبديل بين الإحساس بالخوف وعدمه، عن طريق توجيه الضوء عبر كابل من الألياف الضوئية إلى خلايا معينة في أدمغة الفئران.
وهناك علاجات أخرى قيد التطوير باستخدام علم البصريات الجيني منها شركة Circuit Therapeutics في كاليفورنيا، التي تعمل على تطوير علاج للألم المزمن باستخدام علم البصريات الجيني. وتجرى الأبحاث بتمويل من قبل مؤسسة مايكل ج. فوكس لأبحاث مرض الباركنسون Michael J. Fox Foundation for Parkinson’s Research، وتهدف إلى السيطرة على الإرتعاشات المرتبطة بمرض الباركنسون باستخدام مصدر ضوء داخل الدماغ، وقد تم تجربة الأدوية أو زرع أقطاب كهربائية حتى الآن.
وقال بونسي أنه “قبل استخدام علم البصريات الجيني بشكل علاجي في الدماغ، فإن الباحثين بحاجة الى مزيد من المعلومات حول الخلايا التي يجب استهدافها”، وأضاف “الا أن هذا الأمر قد لا يستغرق وقتا طويلا يمتد لعشرين سنة، ولكن يمكن أن يحدث خلال خمس سنوات”.

Pin It on Pinterest

Share This