هشام يونس

بدأت صباح اليوم اعمال الجرف في شاطئ عدلون تمهيداً لبدء تنفيذ مشروع انشاء مرفأ في البلدة. إن إقامه هذا المرفأ بهذا الحجم وبهذا الموقع الحيوي البيئي والتاريخي من شأنه تدمير مرافئ البلدة التاريخية ( إثنان منها بشكل مباشر) والمنشآت العديدة المنتشرة ما بين المرافئ الثلاث والتي لا زال الكثير منها ظاهراً إلى يومنا هذا، من أحواض مفتوحة على البحر وأخرى بمثابة حاويات صخرية كبيرة وأجران لاستخدامات حرفية شتى من بينها الدباغة ومشاغل مراكب وزحالات ( مراكب) ومبان أخرى تشكل في واقع الأمر جزءاً لا يتجزأ من مدينة مآروبو التاريخية، أول أسماء عدلون المدونة، التي تشكل المرافئ والمحيط الظاهر وذلك المدفون في الأراضي المتاخمة والذي ستتعرض مواقعها للتدمير المباشر أو الضرر غير المباشر، والتي لم تجر فيها عمليات تنقيب رغم كل التوصيات التي رفعها علماء آثار حول العالم. كما ستؤدي عمليات الجرف والردم التي ستجري إلى تدمير العديد من الملاحات والأجران الصخرية التي استخدمت حتى وقت قريب كملاحات وشكلت جزءاً من التقاليد المتوارثة لأهالي البلدة وذاكرتها الشعبية الجمعية وهو موضوع غاية في الأهمية في الإضاءة على العادات الاجتماعية وتطورها في عدلون وبلدات الساحل.

 

غياب الرؤية الثقافية والبيئية للمواقع الاثرية في لبنان  

حظيت العديد من المواقع الأثرية في لبنان بإهتمام “نسبي” وفي أوقات متباعدة لم تبلغ مستوى التصور أو الرؤية المتكاملة، من قبيل تلك التي حملها مدير عام الآثار الراحل موريس شهاب، ومن بين أسباب ذلك حالة التردي الأمني وعدم الاستقرار التي عاشها البلد لفترات ليست قصيرة والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، طبيعة النظام اللبناني نفسه، الذي انعكس نظامه الطائفي سياسات مناطقية ضيقة الأفق والأمد. وغابت بالتالي السياسات التنموية المستدامة للحكومات اللبنانية المتعاقبة المستندة إلى رؤية ثقافية وبيئية متكاملة تستند إلى فهم الدور الإنساني الهائل الذي لعبته هذه السواحل لعصور متعاقبة.

لا حاجة للتذكير بالحيوية التي أطلقها الفينيقيون في أرجاء عالم رسموا حدوده بشغفهم لقرون طويلة ومثُلَ تأثيرها في كل الحقب التي أعقبتها وإلى يومنا هذا. قدم خلالها الفينيقيون لأولى نظريات العولمة، عولمة مسالمة ومتفاعلة تقوم على المبادلة والتعددية الثقافية شكلت أبجديتهم إطارها أو شبكتها الحية. ولكن معرفتنا بالطريقة التي أدى بها الفينيقيون هذه المهمة وبهذه الكفاءة بقيت محصورة، نتيجة لتقصير السياسات الثقافية والتربوية، بالوسط الأكاديمي بشكل رئيسي وبالمهتمين.

لقد أطلعت بهذه المهمة، بشكل رئيسي، سلسلة من المدن-الممالك الساحلية، كانت تعظُم أهميتها أو تتراجع بالنظر إلى ظروف عدة داخلية؛ جدلية بنيتها الصناعية الحرفية وبنيتها الاجتماعية ودورها التجاري، وخارجية تتعلق بعلاقاتها بالمحيط؛ ببعضها بعضاً وبالممالك والمدن الأخرى.

ومن بين أهم عناصر هوية تلك المدن تخطيطاً وأكثرها إرتباطاً بدورها وبنيتها الاجتماعية-الاقتصادية؛ مرافئها. فقد كانت المدن تتطور في محيط مرافئها وبالتزامن مع تطور نشاطها التجاري والإقتصادي والذي كانت المرافئ في قلبه. بل ويذهب العديد من علماء الآثار، ومن بين هؤلاء موسكاتي، إلى القول بأن الفينيقيين اختاروا مدنهم بناءً على تلك التضاريس الساحلية يشير العديد منهم إلى أن الفينيقيين وجدوا أنفسهم على هذا الخط الساحلي بعد هجرات بعيدة أو إستقرار بعيد يواجهون البحر وخلفهم الجبال فتكيفوا معها وأسسوا لهوية هذا الشعب كأحد الشعوب والحضارات البحرية إذا جاز التعبير في التاريخ البشري. يقول المؤرخ غاستون ماسبيرو ولما وجد الفينيقيون أنفسهم محصورين بين الجبل والبحر، صاروا بحارة لا يعرف الخوف إلى قلوبهم سبيلاً. فأكتشفوا تدريجياً البحر المتوسط بأكمله وملأوا شطآنه بوكالاتهم التجارية التي أسسوها وأحواض سفنهم والمستعمرات التي أنشأوها في كل مكان من الحوض المتوسطي وغامروا فأكتشفوا المحيط الأطلسي وبلغوا السنغال جنوباً والجزر البريطانية شمالاً..

لقد أسس الفينيقيون رؤيتهم وتخطيطهم للمدن على فكرة هذه التضاريس إبتداءً بالمرفأ، لذلك كان الفينيقيون يفضلون الإستقرار على جزر أو بر يقابله جزيرة (موقع مثالي) أو على مقربة من خلجان صخرية أو ذات تضاريس صخرية مساعدة أو تلك التي تواجه خطاً صخرياً ناتئاً لإستخدامات تتعلق بالملاحة وإنشاء المرافئ. ولم تكن حاجة المرافئ للتجارة وحسب بل إيضاً للتواصل بين الممالك الساحلية وبذلك تعكس المرافئ نشاط وحجم ودور ونشاط المدن الفينيقية. (راجع بحثنا المنشور على قسمين في السفير 10/11/2015 و17/11/2015)

 

عدلون-الواجهة البحرية

يسهم هذا التقديم بالمساعدة على فهم أفضل وأعمق لأهمية الشواطئ والمرافئ وفي تحديد أهمية المدن الفينيقية وأبعد من ذلك، في تحديد الهوية الحضارية للفينيقيين.

وبعكس الاهتمام الذي حظيت به مغاور عدلون ما قبل التاريخية في أواخر القرن التاسع عشر من خلال الأب غوديفري زاموفن ثم في أواسط القرن العشرين على يد عالمة الآثار دورثي غارود وديانا كيربرايد قبل أن يسود الموقع الإهمال منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن المواقع الأثرية الأخرى وبالأخص تلك التي تعود إلى الحقبة الفينيقية وعلى وجه الخصوص الواجهة البحرية لم تحظى بإهتمام يُذكر. وهو ما يفسر غياب عمليات التنقيب في المنطقة المتاخمة للشاطئ. علماً أن الخط الساحلي وبالأخص من سربتا( الصرفند) إلى عدلون( مآربو- أورنيثوبوليس- آد نوم) والواقع ما بين مملكتي صور وصيدون سيشهد نشاطاً متصاعداً منذ منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد وهو ما لحظته تباعاً الحوليات المختلفة والآثار.

ومن المؤكد، بالإستناد إلى أبحاث عدة، آخرها لنيكولاس كريون وجود أكثر من مرفأ على ساحل عدلون. ويحدد كريون، “ Les ports phéniciens du Liban. Milieux naturels, organisation spatiale et infrastructures “, Archaeology and History in Lebanon, 36-37 (2012-2013),1-137,   ثلاثة مرافئ، وهو ما يذهب إليه الباحث نيك مارينير الذي درس المرافئ الفينيقية بشكل مستفيض (Marriner, N. (2009). Geoarchaeology of Lebanon’s ancient harbours. Archaeopress, British Archaeological Reports, Oxford, pp. 307.). Marriner, N. (2009). Géoarchéologie des ports antiques du Liban. Editions L’Harmattan, Paris, pp. 259.

Adloun Map
 

وتظهر الخارطة التي خلص إليها كريون في بحثه وبالنظر إلى الآثار التي لا زالت ظاهرة على ساحل عدلون المرافئ الثلاثة وأحواضها المفترضة وهي تتشكل من ثلاثة خلجان طبيعية أحدها خليج أبو زيد( الثالث جنوباً) تمتد على كامل هذا الخط ما بين المرافئ الثلاثة ومن حولها المنشاءات الحرفية والتجارية والسكنية. إذ وبالنظر إلى ما قدمنا في مطالعتنا هذه فإن المدن الفينيقية كان تنشئ وتتطور من حول المرافئ ومتاخمة لها. وبالتالي فإن مدينة عدلون الفينيقية هي الواجهة البحرية ذاتها حيث المرافئ وبالعمق نحو الداخل حيث لم تجر عمليات تنقيب تسمح بتحديد حجمها وإنتشارها. علماً أن أهالي عدلون يتناقلون وجود الآثار في السهل المتاخم للشاطئ والواقع بين الشاطئ وحتى الكهوف.

ويشير وجود آثار ظاهرة على كامل الشاطئ على إمتداد رقعة تزيد عن الثلاثة كيلومترات من بينها مرافئ ثلاثة بحسب فرضية كريون، إلى مدينة ناشطة بقيت مسكونة بشكل متواصل إلى زمننا هذا وهو ما يفسر ورود ذكرها في حقب متعاقبة منذ الحقبة الفينيقية مروراً بالرومانية والمسيحية والبيزنطية والإسلامية إلى يومنا هذا. وتشكل المغاور المدفنية الفينيقية والبيزنطية التي عثر في البلدة ونواحيها شاهد آخر على استمرار نشاط المدينة وربما إنتشارها وهو ما يتطلب مزيداً من أعمال التنقيب بالأخص على كامل الخط الساحلي، شاطئ وبحر وأراضي متاخمة.

 

ومن شأن هذه الحفريات، ليس الإضاءة على تاريخ عدلون والكشف عن مدينتها الفينيقية المدفونة وحسب، وإنما إيضاً الكشف عن تاريخ كامل الساحل. إذا أن المرافئ لم تكن تستخدم لتجارة المدن ذاتها وحسب بل إيضاً كامل المحيط. ويلفت ألكسندر موريه إلى أن المدن الفينيقية الساحلية كانت تبسط أملاكها على عمق يتراوح ما بين 12و50 كلم من الشاطئ إلى الداخل خلاف ما كان رينان يذهب إليه بأن المدن الفينيقية هي ضواحي المرافئ وحسب.

 

مشروع مرفأ عدلون المُزمع: تدمير الواجهة التاريخية ومدينة عدلون الفينيقية

بالنظر الى ما سبق وبالمقارنة بين الخارطة التي خلص إليها كريون ومارينير وآخرين حول مواقع مرافئ عدلون ومنشآتها الحرفية وإستكمالاً مركزها التجاري، إذا جاز التعبير، وأحيائها السكنية، وخارطة مشروع مرفأ عدلون “للصيد والنزهة” يتبين أن المرفأ المذكور سيقوم على أنقاض مساحة واسعة من الواجهة التاريخية لعدلون ومواقعها التاريخية وبالتحديد بإثنين من مرافئها بشكل مباشر فيما سيتعرض الثالث لأضرار غير محددة فضلاً عن التدمير الذي سيلحق المدينة الفينيقية التي هي ضواحي هذه المرافئ وامتدادها، وذلك نتيجة لأعمال الجرف التي ستطاول مساحة واسعة تتجاوز 50 الف متر مربع بشكل مباشر وردم مساحة مماثلة من البحر بغية إقامة المرفأ (تسعة أحواض تسع 400 مرسى( بأعماق مختلفة)  وسنسولين (600 متر و240 متر) و أرصفة متعامدة بطول إجمالي 420 م).

وبغض النظر عن مخالفة المشروع المقترح للكثير من المعايير الملزمة سواء في عدم الإعلان عن الجدوى الاقتصادية لمشروع بهذا الحجم بشكل شفاف خاصة أنه مشروع عام لبلدة تفتقد للبنية التحتية السياحية أو الأساسية المناسبة. وكذلك إنشاءه على ممتلكات عامة بحرية مع عدم تقديم تقييم للأثر البيئي والمسح الأثري الملزمين قانوناً. والأكثر إساءة، أن من شأن هذا التدمير الواسع الذي سيلحقه المشروع أن يحرمنا وربما للأبد من التعرف إلى تاريخ هذه البلدة التاريخية ودورها الحضاري الحيوي وهو ما يسمح بالإضاءة على حقبة بقيت مجهولة إلى يومنا هذا، وهو ضرر لا يمكن إصلاحه أبداً. ومن شأنه أن يحرم البلدة والساحل الجنوبي من فرصة إعادة تجميع هويتها الحضارية ودورها كواحدة من المدن التاريخية وعلاقتها بباقي المدن على مر الحقب المختلفة.

إن هذا التدمير إذا وقع سيحرم البلدة وكامل الساحل الجنوبي من فرصة حقيقة لتنمية مستدامة تقوم على حفظ تراث وآثار البلدة والساحل. فضلاً من أن مرفأ بهذا الحجم وبهذا الموقع سيكون له، إلى تداعياته الحضارية الكارثية السالفة الذكر، تداعيات بيئية لا تقل خطورة على التنوع البيولوجي الذي يمتاز به الشاطئ. وهو بالتالي يناقض المزاعم بأنه سيسهم في تطوير الصيد البحري، إذ كيف يمكن لمشروع يقوم على تدمير الموائل البحرية على مساحة تزيد عن 100 ألف متر مربع من أن يسهم في تعزيز هذه الحرفة أو مصائد الأسماك، وهو سيترك أثر على هذه الحرفة ليس في عدلون وحسب بل على كامل المحيط. علماً أن مرفأ الصرفند للصيد البحري لا يبعد سوى مسافة لا تتجاوز خمسة كيلومترات عن الموقع فيما لا يوجد في بلدة عدلون ذاتها مركب صيد واحد.

إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية والوطنية والثقافية تحتم على الجميع التحرك لمنع التدمير الذي سيلحق بواحدة من أهم المدن التاريخية على الساحل اللبناني بتاريخ يمتد إلى أكثر من 90 الف عام لا زالت أثاره قائمة. وفيما كان المتوقع المبادرة برفع الغبن عن هذا التاريخ وتطوير البلدة بالإستثمار بهذا الغنى الحضاري والتنوع البيولوجي والتضاريس المتآلف فيها الأثري بالطبيعي نجد هناك من يسعى لتدمير كل ذلك لصالح مشروع غير واضح الجدوى مع أصرار على تنفيذه في هذا الموقع الفريد بالذات!!

 

 

 

* رئيس جمعية الجنوبيون الخضر

 

 

 

 

 

 

 

الناشر: الشركة اللبنانية للاعلام والدراسات.
رئيس التحرير: حسن مقلد


استشاريون:
لبنان : د.زينب مقلد نور الدين، د. ناجي قديح
سوريا : د.أكرم سليمان خوري
مصر : أحمد الدروبي
مدير التحرير: بسام القنطار

مدير اداري: ريان مقلد
العنوان : بيروت - بدارو - سامي الصلح - بناية الصنوبرة - ص.ب.: 6517/113 | تلفاكس: 01392444 - 01392555 – 01381664 | email: info@greenarea.me

Pin It on Pinterest

Share This